إرهاب السراويل.. ومعاناة المسافرين / علي إبراهيم


مهما قيل عن الإرهاب وجماعات التطرف، فهم أقلية في أي مجتمع، ولا يتصور أنهم في يوم من الأيام يمكن أن يشكلوا تيارا عاما لسبب بسيط هو أن فكرهم ضد فكرة الحياة، وضد منطق الأشياء، والإنسانية في حد ذاتها. ومع ذلك، فإن تداعيات جرائمهم تمس الحياة اليومية لملايين البشر، وتمس أسلوب معيشة الناس، وتواصلهم مع بعضهم.
لذلك، فإن نائب الرئيس النيجيري محق في حديثه أمس أن محاولة تفجير الطائرة الأميركية على يد شاب نيجيري، يبدو أنه تم غسل دماغه، تشكل تحديا أمام النيجيريين باعتبار أن ذلك سيؤدي إلى مضايقات ومراقبة مشددة بحق نيجيريين آخرين يرغبون في السفر. كما عكس هذا القلق أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في نيجيريا الذي أدان المحاولة، ودعا إلى عدم وسم النيجيريين بهذه الحالة المعزولة.
لكن مهما قيل فإن هذه المحاولة، التي كانت ستؤدي إلى كارثة لو نجحت، لها تداعياتها التي مست على الفور ملايين المسافرين الذين أصبح يتعين عليهم تحمل المزيد من المعاناة بسبب إجراءات الأمن الإضافية، من طوابير طويلة في المطارات للتفتيش تستدعي الحضور قبل ساعات من إقلاع الرحلة، إلى البقاء في المقاعد من دون التحرك لمدة ساعة قبل هبوط الرحلة، حسب تقارير عن التعليمات الجديدة التي أعقبت الحادثة.
وهي قصة تكررت في السنوات الأخيرة منذ الهجوم الإرهابي الأضخم في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، فعقب كل عملية إرهابية جديدة سواء كانت ناجحة أم فاشلة، هناك إجراءات جديدة في محاولة للتغلب على ابتكارات العقول المدمرة للإرهاب التي وصلت في تفكيرها للتغلب على إجراءات الأمن إلى مرحلة ما تحت حزام البنطلون والسراويل الداخلية المتفجرة، ولا نعرف ماذا ستبتكر مستقبلا.
حتى قصة الشاب النيجيري، الذي فوجئ الركاب به وسرواله مشتعل داخل الطائرة، هي قصة تكررت لشبان من عائلات مرموقة وفرت لهم عائلاتهم كل سبل النجاح، فاختاروا لسبب أو لآخر طريق الانتحار والتفجير والقتل الجماعي، وقد يأخذ الأمر وقتا لمعرفة ما الذي دفع هذا الشاب، الذي دخل أفضل مدارس نيجيريا وتعلم في أفضل جامعات لندن، ووالده من أثرياء نيجيريا، إلى أخذ هذا الطريق، ومن الذي قام بعملية غسيل الدماغ ليضعه في هذا الموقف السخيف، وقد يشعر بالخجل منه بعد عشرة أعوام أو 20 عاما عندما يكون في مرحلة عمرية مختلفة، كما يحتاج الأمر إلى بحث في «لماذا لا يفكر هؤلاء فيما سببوه من معاناة لآخرين لا ذنب لهم فيها سوى مصادفة أنهم موجودون في الطائرة نفسها؟».
والمتهم الرئيسي في هذه الواقعة وغيرها، هي العقول المريضة التي تبث خطابات الكراهية والتحريض، والتي لا تتورع عن غسل أدمغة شبان في عمر الزهور من أجل أجندتهم المريضة، ليفجروا أنفسهم ويقتلوا آخرين عشوائيا وجماعيا من دون أي قيمة للحياة.
ومع الإقرار بأنه لا مفر في إطار جهود منع محاولات الإرهاب سوى تشديد إجراءات الأمن والرقابة، فإنه يتوجب التفكير أيضا في أن تكون في حدود فعالة، وفي الوقت ذاته لا تجعل الإرهاب ينجح في تعكير حياة البشر.

في أننا نساق بالطبيعة إلى الموت وبالعقل إلى الحياة


سمعت أبا سليمان يقول: نحن نساق بالطبيعة إلى الموت، ونساق بالعقل إلى الحياة، لأن الذي هو بالطبيعة قد أحاطت به الضرورة، والذي بالعقل قد أطاف به الاختيار، ولهذا الفرق الذي استبان وجب أن نستسلم لأحدهما ونتحرم للآخر، ولا يصح الاستسلام إلا بطيب النفس فيما لا حيلة في دفعه، ولا يتم التحرم إلا بإيثار الحد فيما لا ينال إلا به، والضروري لا يسعى له لأنه واصل، والاختياري لا يكسل عنه لأنه غير حاصل لديك، فانظر أين تدع توكلك فيما ليس إليك، ومن أين تطلب ثمرة اجتهادك فيما هو متعلق بك.
ثم قال: نحن نقضي ما علينا، ونجتهد في ما لدينا، ويجري الدهر بما شئنا أو أبينا.
ثم قال أيضاً في هذا الفصل على تقطع علائق الحديث ومحادثة بعض الحاضرين: الإنسان مسجون بالضرورة والاختيار، وعلى ذلك فمعاده إلى غايته التي هو متوجه إليها من جهة اختياره، ومتوجه به نحوها من جهة اضطراره. وهذه كالحيرة ولا سبيل إلى محيرها واستبانة كنهها بحق ما عرض، لأن الصورة عنونت الاختيار، والهيولى رسمت الاضطرار، والذي يكونه بهما يضرب على حديهما ووتيرتيهما، وإنما كان الاختيار منسوباً إلى الصورة بحق الشرف، وإنما كان الاضطرار منسوباً إلى الهيولى بحسب الخسة. والإنسان كالإناء لهما، وبالتباسه بهما والتباسهما به ما عرض هذا الصراخ والعويل، واحتيج فيه إلى القال والقيل، والله المستعان في كل ما عز وهان، فليكن هذا مقنعاً إن لم يكن شافياً، والسلام.
أبو حيّان التوحيديّ ( المقابسات، المقابسة الثامنة والخمسون )

الدين للّه والكرة للجميع


كان صمتٌ ثقيلٌ يرين على رؤوس الحشود المنتظرة حين شقّ الفضاء، فجأة، صوت المؤذّن يدعو إلى الصلاة. كان الصوت دافئا حنونا يرقّ ويغلظ، ثمّ يعلو ويهبط وهو يكرّر على الأسماع النداء القديم بالتكبير والشهادتيْن إلى الصلاة والفلاح. على أنّ الوقت لم يكن من مواقيت الصلاة ولا كان المائة ألف "مؤمن" في مقام أذن اللّه أن يُرْفع ويُذْكر فيه اسمه.
كان صوت المؤذّن يصدح على سبّورة "ستاد" القاهرة، وسط تكبيرات الجماهير التي احتشدت في الملعب وشغلت آلاف المقاعد. عقب الأذان، انبعث صوت ثان يطلب من الحشود الدعاء لـ"منتخب الساجدين": قولوا اللّهمّ انصرنا… اللّهمّ انصر مصر. قولوا يا ربّ..آمين." واهتزّت أركان "ستاد" القاهرة بالتكبير والدعاء لمصر بالنصر والتمكين. وردّدت الحناجر مدوّية: يا ربّ… يا ربّ… يا ربّ..
لم أكنْ أعلم أنّ اللّه سميع مجيب لدرجة أنّه قد ينصر، اعتباطا، فريقا "مسلما" (ولو كان مصر) على فريق الجزائر، وهو الآخر فريق يُفترض أنّه أسلم وحسُن إسلامه. ولا شكّ أنّ من استنبط هذه الفكرة الغريبة، ومرّر الأذان على سبّورة الملعب لغير صلاة كان واثقا من أنّ اللّه سيصرف عنايته إلى "الكنانة منتخب الساجدين" وسيجحدها عن "البرابرة أحفاد الكاهنة". ولعلّه لم يكن مشغولا، أصلا، بمعاناة الحكمة الإلهيّة، فلم يَدُرْ بخلده كيف للّه العادل المقتدر ربّ العالمين أن ينصر فئة من المسلمين على فئة أخرى من المسلمين بلا وجه حقّ.
كدت أصدّق أنّ دعاء الحشود دعاء مستجابٌ وأنّ "ادعوني أستجب لكم " جعلت من اللّه ظهيرا للمنتخب المصريّ الفائز في مباراة القاهرة حتّى انطوت الأيّام على موقعة "أمّ درمان" بانتصار المنتخب الجزائريّ.
ما الذي يحدث؟ هل تخلّى اللّه عن عباده الطائعين الساجدين؟
ثمّ، إنّ الحيرة تبدّدت، وأنا أتابع فرحة اللاعبين الجزائريّين ومرافقيهم في حجرات الملابس بملعب "أمّ درمان"، وهم يقطعون أناشيدهم وأهازيجهم (أشهرها أهزوجة مزجت الإنجليزية بالإيطاليّة والفرنسيّة في جملة واحدة:
ONE TWO THREE, VIVA l’ALGÉRIE )، ليكملوا مثلما بدؤوا، كما قال أحدهم.
" بديناها بالقرآن…ونكمّلوها بالقرآن !" وطفقت الجماعة في تلاوة الفاتحة تلاوة جماعيّة، ليندفع أحدهم، بعد الفراغ من التلاوة، داعيا بصوت حرص فيه على مراعاة قواعد الترتيل والتجويد:
"ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. اللّهمّ لك الحمد..آمين. اللّهمّ لك الحمد على نصرك. اللّهمّ قلتَ - وقولُك الحقّ – ادعوني أستجب لكم. اللّهمّ انصرنا ولا تنصرهم علينا.. اللّهمّ وردّنا إلى بلادنا غانمين.. اللّهمّ خذلت من ظلمنا.. اللهمّ إنّك خذلت الفراعنة..آمين.."
إذن، من الواضح، بحسب هذه الحذلقات الدينيّة المتهافتة، أنّ لكلّ ربَّه الذي ينصره ويحميه مادام اللّه الأحد قد تخلّى، في الخرطوم، عمّا أنعم به في القاهرة ووعد !
لم يكن مبدعو هذه الوضعيّات العجيبة بمنأى عن ماكينة إعلاميّة وشعبيّة لم توفّر بابا للشحن والتعبئة إلاّ طرقته، وكان الدين الباب العالي لهذه المهمّة.
"منتخب الساجدين" ! تسمية للمنتخب المصريّ المعروف تقليديّا بـ"منتخب الفراعنة" تداولتها وسائل الإعلام المختلفة. ولا يخفى أنّ هذه التسمية الجديدة تستبطن رفضا للتسمية القديمة القائمة على العمق الفرعونيّ باتّجاه تسمية دينيّة إسلاميّة. وتجسّدت التسمية في ما دأبت عليه بعض عناصر الفريق من الدعاء والتضرّع للّه والسجود الجماعيّ على أرضيّة الملاعب عقب تسجيل هدف الفوز. وافتنّت بعض الأقلام في التركيز على إمامة (أبو تريكة) للفريق في الملعب وعلى نشاطه الدعويّ خارجه.
لا أظنّ أنّ صنّاع هذا الخطاب، مثلا، قد تساءلوا كيف تكون مشاعر آلاف الجماهير المصريّة ذات الديانة المسيحيّة المتحمّسة لفريقها الوطنيّ وهي ترى لاعبيه المتجانسين دينيّا يسجدون في الملعب؟. ألن يشعروا أنّهم من "المغضوب عليهم" ماداموا مستثنين من فرحة الانتصار على تلك الصيغة بعينها؟
قبيل المباراة التاريخيّة في "ستاد" القاهرة بين مصر والجزائر، نشرت بعض الصحف نداء من الفريق إلى الجمهور المصريّ عنوانه "من منتخب الساجدين إلى الشعب المصري: قولوا آمين". ووجدتُ بعض الأقلام تصرّ على أنّ ما يميّز هذا المنتخب عن منتخبات مصر السابقة ليس الأداء والفنّيات فقط، ولكنّه الوازع الدينيّ بالأساس، حتّى وصل الأمر ببعض اللاّعبين أنْ تفاءل بالنصر على الجزائر لأنّ "منتخب الساجدين"هو، ببساطة، فريق أهل السنّة والجماعة !
ليس المنتخب المصريّ أو المنتخب الجزائريّ بدعا في هذا الاتّجاه، فقبل ثلاثة عقود كان بعض لاعبي المنتخب الإيرانيّ في مونديال الأرجنتين سنة 1978 وفي غمرة الغليان الشعبيّ ضد نظام الشاه يدخلون الملاعب رافعين المصاحف. ويذكر عشّاق الكرة أنّ المنتخب السعوديّ الذي وصل إلى المونديال هو من أدخل طقسا دينيّا جديدا لم يكن معهودا في الملاعب هو السجود شكرا للّه في حالة تسجيل الأهداف.
وصار من المألوف، اليوم، أن نرى بعض المنتخبات الوطنيّة تبدأ المباراة بالفاتحة والدعاء، وتختتم الأهداف بالسجود الجماعيّ على أرضيّة الملعب في مشهد غرائبيّ. وكان لا بدّ من فقه يجاري هذه النوازل، فوجدنا مَن يرفض السجود في الملاعب لأنّ من شروط السجود طهارة البدن والثوب وهو ما قد لا يتوفّر عند اللّاعبين في ذلك الوقت. ووجدنا رأيا ثانيا يجيز هذه الطقوس، ورأيا آخر دعا إلى السجود للّه في كلّ الأحوال سواء في الانتصار أو في الهزيمة. وإنْ سكت الفقيه عن حالة التعادل بين الفريقيْن، فمن المؤكّد أنّ الأمر سواءٌ لأنّ من حمد الله على قضاء تعافه الهمم، كالهزيمة، فلن يشقّ عليه إذا تعادلت الكفّتان أن يشكر منْ لا يُشكَر على مكروه سواه.
إنّ امتصاص اللّعبة الشعبيّة الأولى للمظاهر والرموز والسلوكات الدينيّة في تنام ملحوظ تشهد عليه ملاعب العالم التي صارت تشهد استعراضات دينيّة دعويّة إشهاريّة. غير أنّ هذه الاستعراضات، لدى بعض المنتخبات العربيّة، صارت هي الأكثر بروزا حتّى باتت من استتباعات ما يسمّونه " الصحوة " الدينيّة في أرض الإسلام.
والحقّ أنّ بعض منتخبات الدول "الإسلاميّة" لم تكن من أبدع هذه الرموز الدينيّة في ملاعب كرة القدم، لأنّ عددا كبيرا من اللاعبين من البلدان ذات الغالبية المسيحيّة كانوا يظهرون رموز التثليث قبل الدخول إلى أرضيّة الملعب. ولم تكن الحركة الجماعيّة التي قام بها المنتخب البرازيليّ عقب مباراته ضدّ المنتخب الأمريكيّ إلاّ مظهرا من مظاهر هذه " الصحوة " الدينيّة العالميّة، إذ ما أن أعلن الحكم نهاية المباراة، حتّى خلع اللاّعب الموهوب "كاكا" قميصه وفعل مثله سائر لاعبي البرازيل. وكانت المفاجأة أن قرأتْ آلاف الجماهير على القميص الداخلي: " أنتمي إلى يسوع I belong to Jésus". وهذا اللاّعب ذاته صار معروفا برفع يديْه إلى السماء شاكرا إثر كلّ تهديف. واتّضح، بعد ذلك، أنّ "كاكا" الساحر كاثوليكيّ متديّن بلْ ومموّل فاعل لأنشطة بعض الكنائس الإنجيليّة في البرازيل.
إنّ العلاقة بين الدين وكرة القدم علاقة معقّدة. فإذا كان الدين، لدى ماركس، أفيون الشعوب، فإنّ كرة القدم صارت، اليوم، ذلك الأفيون. وإذا كان القياس الأرسطيّ يسعفنا بهذه التسوية بين الكرة والدين، فكذلك تفعل الزاوية الأنثربولوجيّة والإيطيقيّة.
تقتضي وجاهة الحديث عن طقس من الطقوس استحضار أمور أساسيّة منها القطع مع الروتين اليوميّ، وتوفّر فضاء وزمان مخصوصيْن، ووجود سيناريو يتعاود، وتوزيع معيّن للحضور والأشياء والكلام والإشارات. عند التأمّل، نجد أنّ هذه الشروط تتوفّر في كرة القدم بامتياز. يوم المباراة هو يوم يختلف عن سائر الأيّام، له استعدادات خاصّة تبدأ، عند البعض، قبل وقت طويل. وتبدأ عند البعض الآخر يوم المقابلة أو قبل يوم. والملعب الذي يحتضن المباراة هو فضاء مقصور على هذا النوع من المباريات تشترك جماهير الكرة في معرفة حظّ من موقعه وتصميمه وأرضيّة ميدانه والمقاعد فيه، مثلما تشترك تلك الجماهير في معرفة تاريخ المباراة ( أيّام الآحاد في الغالب ) وتوقيتها (بعد الظهر أو في المساء في العادة). وعندما تشدّ الجماهير "رحالها" إلى الملعب، فهي تعلم بوجود سيناريو يتعاود كلّ يوم مقابلة. بالنسبة إلى الجمهور، يبدأ السيناريو من الاصطفاف أمام شبّاك التذاكر وأبواب الدخول، ثمّ اختيار مقعد مناسب لرؤية واضحة، كلّ بحسب تذكرته: المنصّة الشرفيّة، المدارج المغطّاة، المدارج العارية، المدارج خلف المرمى. بالنسبة إلى شخصيّات الميدان، يعرف كلّ مكانه، لاعبو التشكيلة بحسب خطّط الانتشار ولاعبو الاحتياط، المدرّب والحكم ومساعداه. يوم المباراة، يشارك الحضور في تحية الفريقيْن وفي تحيّة العلميْن عند المقابلات الدوليّة، ثمّ تعلن صفارة الحكم انطلاق اللّعب. ولا يشكّ من حضر أنّ هناك راحة بين الشوطيْن، وأنّهم سيستمعون، شاؤوا أم أبوا، إلى أهازيج المشجّعين حتّى صفّارة الختام. هذا وغيره ما يجعل من كرة القدم طقسًا من طقوس حياتنا المعاصرة.
إنّ الجماهير التي تؤمن بالدين هي نفسها الحشود التي تدين بالكرة. يتجاور الملعب والمسجد والكنيسة والمعبد. ومثلما يأخذ الدين بالألباب تأخذ الكرة بالألباب. ويصير كلّ شيء فدى لمعبودة الجماهير: الكرة. ففي ظلّ الفراغ الوجوديّ الذي تحياه الكثرة من الجماهير، فإنّها تهرع إلى خلق أساطيرها وعقائدها ورموزها ونماذجها الخاصّة ليحصل ما يمكن تسميته بالوباء العاطفيّ. هذا "الوباء" يظهر، كأجلى ما يكون، في بروز روحيّة فدائيّة لدى الجمهور: افتداء الفريق أو النجم المحبوب بالنفس والنفيس.
على أنّ كرة القدم هي دين بلا آلهة. وإنّما أبطالها بشر موهوبون قادرون على استبدال المرجعيات المفارقة للدّين بما يتيحونه للجمهور، في الجانبيْن اللّعبيّ والمشهديّ، من الذهول والمتعة والأريحيّة والحذر والجمال.
هذا الواقع البشريّ للكرة، من الزاوية الإيطيقيّة الصرف، تهدّده قوانين السوق والتسليع والمال، وتهدّده، أيضا، هجمة الدين الكاسحة. هجمة يحصل معها قلب البشريّ إلى دينيّ والعكس صحيح. وبهذا القلب، تصير الكرة مقدّسا ومطلقا.
إنّ إغراق الكرة بالرموز الدينيّة وجرّها إلى فضاء المقدّس والمطلق، وتحويل فضاء اللعب والحرّية إلى فضاء تعبّد وخضوع، لا يقودان إلاّ إلى شيطنة اللّعبة من حيث أُرِيدَ لها القداسة، وسلبها، بذلك، واقعها الخصوصيّ الحرّ القائم على المشاركة والمنافسة والمفاوضة وعلى عفويّة الحركة وجماليّة المشهد واللّعب.
من المؤسف أنّ هذا الجري المحموم خلف جلد منفوخ يبتعد يوما بعد يوم عمّا أُريد له من تعارف وإشباع للغرائز الانتصاريّة في حيّز مقنّن محدود واقتصاد في نوازع الإقصاء والكره والعنف التي كانت في ساحات الحرب. لقد صارت الخسارة في الملعب، تحت وطأة قانون الربح في السوق، أمرا لا يحتمل. وصارت الرموز الدينيّة المتزايدة يوما بعد يوم وقودا لحروب دينيّة جديدة انتقلت من سوح القتال إلى سوح اللّعب.
ورغم أن قوانين الفيفا تحظر أيّ إعلانات سياسيّة أو دينيّة أو عنصريّة في هيئة اللّاعب وفي زيّه وفي سلوكه على الملعب إلاّ أنّ هذه الحظر لم يصمد أمام غزو الشعارات الدينيّة والسياسيّة بشتّى عناوينها. يحظر قانون الفيفا، صراحة، كلّ مظاهر الإشهار على ميدان اللّعب وعلى لوازمه داخل المستطيل. ولكنّ هذه المادّة القانونيّة المرنة تترك المجال واسعا لخروق ضمنيّة، إذ الفصل بين الميدان وخارج الميدان فصل وهميّ، فقمصان اللاعبين الداخليّة وإشاراتهم وطقوسهم التعبّديّة صارت تعضد ما يعجّ به محيط الميدان ومدارجه وسبّورته اللاّمعة من بلاغات إشهاريّة من كلّ لون.
كانت شهادةٌ معبّرة عن لاعبي كرة القدم منسوبةٌ إلى بلاز باسكال Blaise Pascal( 1623 – 1662 ) تقول: يا لهؤلاء الرجال. هاهم – وقد فقدوا الفردوس – يَجْرُون خلف جلد مدوّر !
وإذا سلّمنا جدلا بوجاهة شهادة هذا الفيلسوف والرياضيّ، يمكن أن نسأل: هل إنّ تكثيف الرموز الدينيّة في ملاعبنا، اليوم، هو بمثابة إفاقة متأخّرة لاسترداد هذا الفردوس المفقود؟

على هامش الحرب الكلامية بين مثقّفي مصر والجزائر




لم يكن التحرّك الديبلوماسي لتطويق الأزمة بين الحكومتين المصرية والجزائرية، و الذي تأخر لأغراض "تكتيكية" كما يقول محترفو السياسة، أو تمّ تأخيره (بقصد)، لتحقيق مصالح حزبية وشخصية محدّدة وضيّقة، كما يقول محترفو المعارضة سوى مسألة وقت في كلّ الأحوال. فالجميع يدرك - طبعا باستثناء صغار النفوس والعقول- أنّه لا توجد أصلا تناقضات جوهرية، ولا خلافات سياسية حقيقية بين البلدين الشقيقين، يمكن أن تؤجّج الخلاف وتديمه.
ومع ذلك فإنّ صفحة هذا الخلاف العابر التي يعرف الساسة متى يفتحونها، ومتى يأمرون بطيّها كشفت عن هشاشة قطاع كبير من الإعلاميين والفنّانين والمثقّفين سواء في مصر أو الجزائر، ولعلّ ذلك من فوائد الأزمات التي تكشف المخبوء والمكبوت، وتعرّي الحقائق وتفضح الإدعاءات.
لقد كشفت الأزمة الأخيرة، أن الساسة كبارهم أعني أنّهم أكثر عقلانية ورصانة في بعض الأوقات من المثقفين، وأحيانا من كبار المثقفين الذين أظهر قطاع منهم الكثير من الاندفاع والانفعال الحاد في ردودهم في وسائل الإعلام. فعلوا كلّ ذلك، وكأنّهم يشحذون الرأي العام ضدّ عدوّ وضع دباباته وطائراته استعدادا للحرب، بينما كان الساسة - وكبارهم أقصد- يتفرّجون بسخرية على مسرحية كلّفوا بعض موظّفيهم بإخراجها على عجل. ورغم رداءة الإخراج، بل قل بدائيته، تمكّنت المسرحية من الإيقاع بمن يفترض أنّهم نخبة مجتمعاهم من الكتاب والمثقّفين والفنّانين.
كنت أتابع كغيري ردود الفعل من هنا وهناك على الفضائيات وعلى الصحف والمواقع الإلكترونية والفايسبوك. واستمتعت حقّا بعديد المقالات الرصينة والذكية التي تدخّلت لإطفاء نار الفتنة والكشف عن الجهات والأطراف المستفيدة من إشعالها، ( وأذكر على سبيل المثال لا الحصر مقالات "عبد الباري عطوان" في جريدة القدس العربيّ ومقاليْ باسط بن حسن ومختار الخلفاوي على موقع الأوان الإلكتروني ). كنت أتابع الموضوع وأنا أستعدّ لحضور ندوة دولية بمدينة القيروان عن "الاستشراق وأثره في الثقافة العربية" (الاستشراق الغربي طبعا) إلى أن وقعت على مقال الكاتب ياسين تملالي الذي يحمل عنوان "حتّى أنت يا يوسف" والذي يردّ فيه على مقال للكاتب المصري يوسف زيدان صاحب الرّواية الفائزة بالبوكر أضخم جائزة عربية عن روايته "عزازيل". وأعترف أنّني صدمت بالمقال ومررت بحالة من الذهول، جعلت حماسي لحضور الندوة الخاصة بأثر الاستشراق في الثقافة العربية يخفت، بل قل يموت. فأي الاستشراقين أخطر علينا، استشراق عدد من محدودي الثقافة من الغربيين كما يسمّيهم المفكّر التونسي هشام جعيط ممّن لا يعتدّ بعلمهم لتواضعه وسخف نتائجه، أم الاستشراق المعكوس، استشراق عدد من كتابنا ممّن تجاوزوا بعنصريتهم وشوفينيتهم عتاة العنصريين الغربيين، والحال أنّهم كما هو الحال بالنسبة إلى يوسف زيدان ممّن يرفعون قيم وشعارات التسامح والحوار بين الأديان والشعوب ؟
يقول ياسين تملالي صاحب المقال المنشور بجريدة "الأخبار" اللّبنانية "لم تؤلمني العنصرية التي تذكر بها الجزائر ومصر في بعض وسائل إعلام البلدين، كما آلمني مقال يوسف زيدان «ذكريات جزائرية» («المصري اليوم» ــ 25 نوفمبر2009). كان أحرى بمن كتب دفاعاً عن روايته «عزازيل» أن «العنف لا يرتبط بجوهر الديانة» أن يردد أيضاً أنّ العنف ليس من «جوهر الجنسية الجزائرية»، بدل إقناع قرائه بأنّ الجزائريين مثال للعنف والصفات الذميمة من تعصب وتأهّب دائم لـ"فقء العيون".(….) شيّد صاحب «بوكر» صرحاً من الكليشيهات. نعرف من قراءتنا لإدوارد سعيد أن «الابتداع الجغرافي» (رسم جغرافيا وهمية تتلاءم مع ما نريد إثباته) هو من وسائل الاستشراق. هذا ما يقوم به زيدان، فلا حديث له عن الجزائر إلا كـ«صحراء». ونحن إذ نذكِّره بجغرافيا الجزائر، فلأنّ «لصحرائه» المبتدعة على منوال المستشرقين (بالأحرى على منوال هوليوود) وظيفةً محددةً: تصوير البلد على أنه بلد عنف أعمى لا يعرف النظام، وتصوير الجزائريين على أنهم همج يهيمون في تلك البيداء.. ؟
المقال طويل نسبيا، وقد عدت إلى مقال الكاتب يوسف زيدان، كما يمكن أن يعود إليه أي قارئ، وتأكّدت بأن كلّ ما نسب إليه من أفكار وردت حرفيا في مقاله، دون زيادة ولا نقصان، وهو ما جعلني أتساءل بمرارة كيف تصدر هذه الأفكار عن شخص كان منقطعا للكتابة عن التصوّف ورؤيته للعالم في سلسلة من المقالات بجريدة "المصري اليوم"، كما يشير في مقاله؟. كيف تصدر هذه الأفكار عن رجل باحث في تاريخ الأديان ومؤلف رواية جميلة عن المحبة والتصوف، وهي "عزازيل"؟. وهل ثمّة من المستشرقين العنصريين الشوفينيين ممّن تجرّأ وكتب مثل هذه الجمل التي صاغها مؤلف "عزازيل" من قبيل هذه الجمل المقتطعة من المقال " ذلك البلد المسمى الجزائر ، وهل هناك حقاً حكومة وجماعات إسلامية بهذا البلد المسمى (الجزائر)؟ …. لقد نسينا ونسى الجزائريون أن مصر هي التي أنفقت من أموالها كي تجعلهم عرباً، وأغدق جمال عبد الناصر عليهم وأوفد لبلادهم المدرسين المصريين كي يضعوا على ألسنتهم اللفظ العربي الذي أنستهم إياه فرنسا (الحرة) فلا هم ظلوا من بعد ذلك عرباً ولا هم صاروا فرنسيين..(…) ولم يكن من الصائب أصلاً أن نلاعب المجرمين، فالمجرمون ليس لهم إلا العقاب.. عقاب اللاعب الذي فقأ عين الطبيب، وعقاب البدو الصحراويين الذين صارت لهم بلد، فظنوا أنفسهم مثل المصريين وتخيَّلوا أن كل البلدان مثل كل البلدان.. وعقاب حكومة ركيكة تدير أمور بلدها كما تدير الرقيعات. و لا بد لنا أن نعى جيداً، أن (الجزائر) لا يصح أصلاً أن تكون خصماً لمصر، ولا كفوا لها.. وأن نعى جيداً، أن قطع العلائق مع الجزائر لن يضير مصر لا على المدى القريب ولا البعيد، وقطع النظر عن وجود هذا الامتداد القاحل في قلوب أهلها، سوف يضيف لنا أمراً عزيزاً فقدناه.. أمراً اسمه الكرامة التي أُهدرت بغير سبب ولا غاية إلا هوى الحكام وأحلام السياسيين فى كل العصور.."
لم يكن مقال يوسف زيدان سوى مثال لظاهرة إعلامية وثقافية فاجأت الكثير من المتابعين للشأن الثقافي والإعلامي العربي، وتقديرنا أن التوقّف عندها، ودراستها بشكل علمي مسألة على غاية من الأهمّية، لتأمل الأسباب التي أنشأتها، وغذّتها، لتكون خلايا نائمة، يمكن إيقاظها في أي وقت لتهديد أمن ما نطمئن إليه من مسلّمات وبديهيات . ولا نظنّ أنّنا قادرون على إجراء حوار ديني أو فكري أو حضاري مع الغرب الأوروبي والأمريكي وغيره ( على كثرة ما ننظّم من مؤتمرات في ذلك) ما لم تتحرّر الشعوب ونخبها الثقافية من جراحها وتهويماتها وأحلامها الحضارية والسياسية المجهضة، ما لم تجر تحليلا يمكّنها من التعامل معها بشكل نقدي فعّال، يحصّنها من نزعات التطرّف والعنصرية والشوفينية التي نبحث عنها عند المستشرقين والمفكرين الغربيين والحال أنها نائمة داخلنا.
هل استطعنا أن نبني معرفتنا وعلاقاتنا الثقافية المشرقية/ المغربية على أسس علمية وعقلانية رصينة لنمر إلى نقد عدد من المستشرقين على ادعاءاتهم وأخطائهم ومغالطاتهم؟ وهل نحن مهيئون علميا وحضاريا لإقامة ما أطلق عليه الباحث المصري حسن حنفي بعلم "الاستغراب" والحال أنّنا ما نزال نعاني من مصادرات وأحكام قبلية بين المشارقة والمغاربة من قبيل أن المغاربة مشكوك في عروبتهم وإسلامهم، ومن نوع أن المغاربة أكثر عقلانية وانفتاحا على العلوم الإنسانية من المشارقة الغارقين في مناخ الفكر الوهابي السلفي، ومن نوع أن مصر هي أم الدّنيا وأنّه لا نجاح لنهضة عربية بدونها، ومن نوع أن هناك شعوبا عربية أكثر تحضّرا من شعوب أخرى، وغير ذلك من الكليشيهات التي نظنّ أنّنا تجاوزناها والحال أنّها ماتزال خلايا نائمة في اللاّوعي الجمعي العام.