إرهاب السراويل.. ومعاناة المسافرين / علي إبراهيم


مهما قيل عن الإرهاب وجماعات التطرف، فهم أقلية في أي مجتمع، ولا يتصور أنهم في يوم من الأيام يمكن أن يشكلوا تيارا عاما لسبب بسيط هو أن فكرهم ضد فكرة الحياة، وضد منطق الأشياء، والإنسانية في حد ذاتها. ومع ذلك، فإن تداعيات جرائمهم تمس الحياة اليومية لملايين البشر، وتمس أسلوب معيشة الناس، وتواصلهم مع بعضهم.
لذلك، فإن نائب الرئيس النيجيري محق في حديثه أمس أن محاولة تفجير الطائرة الأميركية على يد شاب نيجيري، يبدو أنه تم غسل دماغه، تشكل تحديا أمام النيجيريين باعتبار أن ذلك سيؤدي إلى مضايقات ومراقبة مشددة بحق نيجيريين آخرين يرغبون في السفر. كما عكس هذا القلق أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في نيجيريا الذي أدان المحاولة، ودعا إلى عدم وسم النيجيريين بهذه الحالة المعزولة.
لكن مهما قيل فإن هذه المحاولة، التي كانت ستؤدي إلى كارثة لو نجحت، لها تداعياتها التي مست على الفور ملايين المسافرين الذين أصبح يتعين عليهم تحمل المزيد من المعاناة بسبب إجراءات الأمن الإضافية، من طوابير طويلة في المطارات للتفتيش تستدعي الحضور قبل ساعات من إقلاع الرحلة، إلى البقاء في المقاعد من دون التحرك لمدة ساعة قبل هبوط الرحلة، حسب تقارير عن التعليمات الجديدة التي أعقبت الحادثة.
وهي قصة تكررت في السنوات الأخيرة منذ الهجوم الإرهابي الأضخم في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، فعقب كل عملية إرهابية جديدة سواء كانت ناجحة أم فاشلة، هناك إجراءات جديدة في محاولة للتغلب على ابتكارات العقول المدمرة للإرهاب التي وصلت في تفكيرها للتغلب على إجراءات الأمن إلى مرحلة ما تحت حزام البنطلون والسراويل الداخلية المتفجرة، ولا نعرف ماذا ستبتكر مستقبلا.
حتى قصة الشاب النيجيري، الذي فوجئ الركاب به وسرواله مشتعل داخل الطائرة، هي قصة تكررت لشبان من عائلات مرموقة وفرت لهم عائلاتهم كل سبل النجاح، فاختاروا لسبب أو لآخر طريق الانتحار والتفجير والقتل الجماعي، وقد يأخذ الأمر وقتا لمعرفة ما الذي دفع هذا الشاب، الذي دخل أفضل مدارس نيجيريا وتعلم في أفضل جامعات لندن، ووالده من أثرياء نيجيريا، إلى أخذ هذا الطريق، ومن الذي قام بعملية غسيل الدماغ ليضعه في هذا الموقف السخيف، وقد يشعر بالخجل منه بعد عشرة أعوام أو 20 عاما عندما يكون في مرحلة عمرية مختلفة، كما يحتاج الأمر إلى بحث في «لماذا لا يفكر هؤلاء فيما سببوه من معاناة لآخرين لا ذنب لهم فيها سوى مصادفة أنهم موجودون في الطائرة نفسها؟».
والمتهم الرئيسي في هذه الواقعة وغيرها، هي العقول المريضة التي تبث خطابات الكراهية والتحريض، والتي لا تتورع عن غسل أدمغة شبان في عمر الزهور من أجل أجندتهم المريضة، ليفجروا أنفسهم ويقتلوا آخرين عشوائيا وجماعيا من دون أي قيمة للحياة.
ومع الإقرار بأنه لا مفر في إطار جهود منع محاولات الإرهاب سوى تشديد إجراءات الأمن والرقابة، فإنه يتوجب التفكير أيضا في أن تكون في حدود فعالة، وفي الوقت ذاته لا تجعل الإرهاب ينجح في تعكير حياة البشر.

في أننا نساق بالطبيعة إلى الموت وبالعقل إلى الحياة


سمعت أبا سليمان يقول: نحن نساق بالطبيعة إلى الموت، ونساق بالعقل إلى الحياة، لأن الذي هو بالطبيعة قد أحاطت به الضرورة، والذي بالعقل قد أطاف به الاختيار، ولهذا الفرق الذي استبان وجب أن نستسلم لأحدهما ونتحرم للآخر، ولا يصح الاستسلام إلا بطيب النفس فيما لا حيلة في دفعه، ولا يتم التحرم إلا بإيثار الحد فيما لا ينال إلا به، والضروري لا يسعى له لأنه واصل، والاختياري لا يكسل عنه لأنه غير حاصل لديك، فانظر أين تدع توكلك فيما ليس إليك، ومن أين تطلب ثمرة اجتهادك فيما هو متعلق بك.
ثم قال: نحن نقضي ما علينا، ونجتهد في ما لدينا، ويجري الدهر بما شئنا أو أبينا.
ثم قال أيضاً في هذا الفصل على تقطع علائق الحديث ومحادثة بعض الحاضرين: الإنسان مسجون بالضرورة والاختيار، وعلى ذلك فمعاده إلى غايته التي هو متوجه إليها من جهة اختياره، ومتوجه به نحوها من جهة اضطراره. وهذه كالحيرة ولا سبيل إلى محيرها واستبانة كنهها بحق ما عرض، لأن الصورة عنونت الاختيار، والهيولى رسمت الاضطرار، والذي يكونه بهما يضرب على حديهما ووتيرتيهما، وإنما كان الاختيار منسوباً إلى الصورة بحق الشرف، وإنما كان الاضطرار منسوباً إلى الهيولى بحسب الخسة. والإنسان كالإناء لهما، وبالتباسه بهما والتباسهما به ما عرض هذا الصراخ والعويل، واحتيج فيه إلى القال والقيل، والله المستعان في كل ما عز وهان، فليكن هذا مقنعاً إن لم يكن شافياً، والسلام.
أبو حيّان التوحيديّ ( المقابسات، المقابسة الثامنة والخمسون )

الدين للّه والكرة للجميع


كان صمتٌ ثقيلٌ يرين على رؤوس الحشود المنتظرة حين شقّ الفضاء، فجأة، صوت المؤذّن يدعو إلى الصلاة. كان الصوت دافئا حنونا يرقّ ويغلظ، ثمّ يعلو ويهبط وهو يكرّر على الأسماع النداء القديم بالتكبير والشهادتيْن إلى الصلاة والفلاح. على أنّ الوقت لم يكن من مواقيت الصلاة ولا كان المائة ألف "مؤمن" في مقام أذن اللّه أن يُرْفع ويُذْكر فيه اسمه.
كان صوت المؤذّن يصدح على سبّورة "ستاد" القاهرة، وسط تكبيرات الجماهير التي احتشدت في الملعب وشغلت آلاف المقاعد. عقب الأذان، انبعث صوت ثان يطلب من الحشود الدعاء لـ"منتخب الساجدين": قولوا اللّهمّ انصرنا… اللّهمّ انصر مصر. قولوا يا ربّ..آمين." واهتزّت أركان "ستاد" القاهرة بالتكبير والدعاء لمصر بالنصر والتمكين. وردّدت الحناجر مدوّية: يا ربّ… يا ربّ… يا ربّ..
لم أكنْ أعلم أنّ اللّه سميع مجيب لدرجة أنّه قد ينصر، اعتباطا، فريقا "مسلما" (ولو كان مصر) على فريق الجزائر، وهو الآخر فريق يُفترض أنّه أسلم وحسُن إسلامه. ولا شكّ أنّ من استنبط هذه الفكرة الغريبة، ومرّر الأذان على سبّورة الملعب لغير صلاة كان واثقا من أنّ اللّه سيصرف عنايته إلى "الكنانة منتخب الساجدين" وسيجحدها عن "البرابرة أحفاد الكاهنة". ولعلّه لم يكن مشغولا، أصلا، بمعاناة الحكمة الإلهيّة، فلم يَدُرْ بخلده كيف للّه العادل المقتدر ربّ العالمين أن ينصر فئة من المسلمين على فئة أخرى من المسلمين بلا وجه حقّ.
كدت أصدّق أنّ دعاء الحشود دعاء مستجابٌ وأنّ "ادعوني أستجب لكم " جعلت من اللّه ظهيرا للمنتخب المصريّ الفائز في مباراة القاهرة حتّى انطوت الأيّام على موقعة "أمّ درمان" بانتصار المنتخب الجزائريّ.
ما الذي يحدث؟ هل تخلّى اللّه عن عباده الطائعين الساجدين؟
ثمّ، إنّ الحيرة تبدّدت، وأنا أتابع فرحة اللاعبين الجزائريّين ومرافقيهم في حجرات الملابس بملعب "أمّ درمان"، وهم يقطعون أناشيدهم وأهازيجهم (أشهرها أهزوجة مزجت الإنجليزية بالإيطاليّة والفرنسيّة في جملة واحدة:
ONE TWO THREE, VIVA l’ALGÉRIE )، ليكملوا مثلما بدؤوا، كما قال أحدهم.
" بديناها بالقرآن…ونكمّلوها بالقرآن !" وطفقت الجماعة في تلاوة الفاتحة تلاوة جماعيّة، ليندفع أحدهم، بعد الفراغ من التلاوة، داعيا بصوت حرص فيه على مراعاة قواعد الترتيل والتجويد:
"ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. اللّهمّ لك الحمد..آمين. اللّهمّ لك الحمد على نصرك. اللّهمّ قلتَ - وقولُك الحقّ – ادعوني أستجب لكم. اللّهمّ انصرنا ولا تنصرهم علينا.. اللّهمّ وردّنا إلى بلادنا غانمين.. اللّهمّ خذلت من ظلمنا.. اللهمّ إنّك خذلت الفراعنة..آمين.."
إذن، من الواضح، بحسب هذه الحذلقات الدينيّة المتهافتة، أنّ لكلّ ربَّه الذي ينصره ويحميه مادام اللّه الأحد قد تخلّى، في الخرطوم، عمّا أنعم به في القاهرة ووعد !
لم يكن مبدعو هذه الوضعيّات العجيبة بمنأى عن ماكينة إعلاميّة وشعبيّة لم توفّر بابا للشحن والتعبئة إلاّ طرقته، وكان الدين الباب العالي لهذه المهمّة.
"منتخب الساجدين" ! تسمية للمنتخب المصريّ المعروف تقليديّا بـ"منتخب الفراعنة" تداولتها وسائل الإعلام المختلفة. ولا يخفى أنّ هذه التسمية الجديدة تستبطن رفضا للتسمية القديمة القائمة على العمق الفرعونيّ باتّجاه تسمية دينيّة إسلاميّة. وتجسّدت التسمية في ما دأبت عليه بعض عناصر الفريق من الدعاء والتضرّع للّه والسجود الجماعيّ على أرضيّة الملاعب عقب تسجيل هدف الفوز. وافتنّت بعض الأقلام في التركيز على إمامة (أبو تريكة) للفريق في الملعب وعلى نشاطه الدعويّ خارجه.
لا أظنّ أنّ صنّاع هذا الخطاب، مثلا، قد تساءلوا كيف تكون مشاعر آلاف الجماهير المصريّة ذات الديانة المسيحيّة المتحمّسة لفريقها الوطنيّ وهي ترى لاعبيه المتجانسين دينيّا يسجدون في الملعب؟. ألن يشعروا أنّهم من "المغضوب عليهم" ماداموا مستثنين من فرحة الانتصار على تلك الصيغة بعينها؟
قبيل المباراة التاريخيّة في "ستاد" القاهرة بين مصر والجزائر، نشرت بعض الصحف نداء من الفريق إلى الجمهور المصريّ عنوانه "من منتخب الساجدين إلى الشعب المصري: قولوا آمين". ووجدتُ بعض الأقلام تصرّ على أنّ ما يميّز هذا المنتخب عن منتخبات مصر السابقة ليس الأداء والفنّيات فقط، ولكنّه الوازع الدينيّ بالأساس، حتّى وصل الأمر ببعض اللاّعبين أنْ تفاءل بالنصر على الجزائر لأنّ "منتخب الساجدين"هو، ببساطة، فريق أهل السنّة والجماعة !
ليس المنتخب المصريّ أو المنتخب الجزائريّ بدعا في هذا الاتّجاه، فقبل ثلاثة عقود كان بعض لاعبي المنتخب الإيرانيّ في مونديال الأرجنتين سنة 1978 وفي غمرة الغليان الشعبيّ ضد نظام الشاه يدخلون الملاعب رافعين المصاحف. ويذكر عشّاق الكرة أنّ المنتخب السعوديّ الذي وصل إلى المونديال هو من أدخل طقسا دينيّا جديدا لم يكن معهودا في الملاعب هو السجود شكرا للّه في حالة تسجيل الأهداف.
وصار من المألوف، اليوم، أن نرى بعض المنتخبات الوطنيّة تبدأ المباراة بالفاتحة والدعاء، وتختتم الأهداف بالسجود الجماعيّ على أرضيّة الملعب في مشهد غرائبيّ. وكان لا بدّ من فقه يجاري هذه النوازل، فوجدنا مَن يرفض السجود في الملاعب لأنّ من شروط السجود طهارة البدن والثوب وهو ما قد لا يتوفّر عند اللّاعبين في ذلك الوقت. ووجدنا رأيا ثانيا يجيز هذه الطقوس، ورأيا آخر دعا إلى السجود للّه في كلّ الأحوال سواء في الانتصار أو في الهزيمة. وإنْ سكت الفقيه عن حالة التعادل بين الفريقيْن، فمن المؤكّد أنّ الأمر سواءٌ لأنّ من حمد الله على قضاء تعافه الهمم، كالهزيمة، فلن يشقّ عليه إذا تعادلت الكفّتان أن يشكر منْ لا يُشكَر على مكروه سواه.
إنّ امتصاص اللّعبة الشعبيّة الأولى للمظاهر والرموز والسلوكات الدينيّة في تنام ملحوظ تشهد عليه ملاعب العالم التي صارت تشهد استعراضات دينيّة دعويّة إشهاريّة. غير أنّ هذه الاستعراضات، لدى بعض المنتخبات العربيّة، صارت هي الأكثر بروزا حتّى باتت من استتباعات ما يسمّونه " الصحوة " الدينيّة في أرض الإسلام.
والحقّ أنّ بعض منتخبات الدول "الإسلاميّة" لم تكن من أبدع هذه الرموز الدينيّة في ملاعب كرة القدم، لأنّ عددا كبيرا من اللاعبين من البلدان ذات الغالبية المسيحيّة كانوا يظهرون رموز التثليث قبل الدخول إلى أرضيّة الملعب. ولم تكن الحركة الجماعيّة التي قام بها المنتخب البرازيليّ عقب مباراته ضدّ المنتخب الأمريكيّ إلاّ مظهرا من مظاهر هذه " الصحوة " الدينيّة العالميّة، إذ ما أن أعلن الحكم نهاية المباراة، حتّى خلع اللاّعب الموهوب "كاكا" قميصه وفعل مثله سائر لاعبي البرازيل. وكانت المفاجأة أن قرأتْ آلاف الجماهير على القميص الداخلي: " أنتمي إلى يسوع I belong to Jésus". وهذا اللاّعب ذاته صار معروفا برفع يديْه إلى السماء شاكرا إثر كلّ تهديف. واتّضح، بعد ذلك، أنّ "كاكا" الساحر كاثوليكيّ متديّن بلْ ومموّل فاعل لأنشطة بعض الكنائس الإنجيليّة في البرازيل.
إنّ العلاقة بين الدين وكرة القدم علاقة معقّدة. فإذا كان الدين، لدى ماركس، أفيون الشعوب، فإنّ كرة القدم صارت، اليوم، ذلك الأفيون. وإذا كان القياس الأرسطيّ يسعفنا بهذه التسوية بين الكرة والدين، فكذلك تفعل الزاوية الأنثربولوجيّة والإيطيقيّة.
تقتضي وجاهة الحديث عن طقس من الطقوس استحضار أمور أساسيّة منها القطع مع الروتين اليوميّ، وتوفّر فضاء وزمان مخصوصيْن، ووجود سيناريو يتعاود، وتوزيع معيّن للحضور والأشياء والكلام والإشارات. عند التأمّل، نجد أنّ هذه الشروط تتوفّر في كرة القدم بامتياز. يوم المباراة هو يوم يختلف عن سائر الأيّام، له استعدادات خاصّة تبدأ، عند البعض، قبل وقت طويل. وتبدأ عند البعض الآخر يوم المقابلة أو قبل يوم. والملعب الذي يحتضن المباراة هو فضاء مقصور على هذا النوع من المباريات تشترك جماهير الكرة في معرفة حظّ من موقعه وتصميمه وأرضيّة ميدانه والمقاعد فيه، مثلما تشترك تلك الجماهير في معرفة تاريخ المباراة ( أيّام الآحاد في الغالب ) وتوقيتها (بعد الظهر أو في المساء في العادة). وعندما تشدّ الجماهير "رحالها" إلى الملعب، فهي تعلم بوجود سيناريو يتعاود كلّ يوم مقابلة. بالنسبة إلى الجمهور، يبدأ السيناريو من الاصطفاف أمام شبّاك التذاكر وأبواب الدخول، ثمّ اختيار مقعد مناسب لرؤية واضحة، كلّ بحسب تذكرته: المنصّة الشرفيّة، المدارج المغطّاة، المدارج العارية، المدارج خلف المرمى. بالنسبة إلى شخصيّات الميدان، يعرف كلّ مكانه، لاعبو التشكيلة بحسب خطّط الانتشار ولاعبو الاحتياط، المدرّب والحكم ومساعداه. يوم المباراة، يشارك الحضور في تحية الفريقيْن وفي تحيّة العلميْن عند المقابلات الدوليّة، ثمّ تعلن صفارة الحكم انطلاق اللّعب. ولا يشكّ من حضر أنّ هناك راحة بين الشوطيْن، وأنّهم سيستمعون، شاؤوا أم أبوا، إلى أهازيج المشجّعين حتّى صفّارة الختام. هذا وغيره ما يجعل من كرة القدم طقسًا من طقوس حياتنا المعاصرة.
إنّ الجماهير التي تؤمن بالدين هي نفسها الحشود التي تدين بالكرة. يتجاور الملعب والمسجد والكنيسة والمعبد. ومثلما يأخذ الدين بالألباب تأخذ الكرة بالألباب. ويصير كلّ شيء فدى لمعبودة الجماهير: الكرة. ففي ظلّ الفراغ الوجوديّ الذي تحياه الكثرة من الجماهير، فإنّها تهرع إلى خلق أساطيرها وعقائدها ورموزها ونماذجها الخاصّة ليحصل ما يمكن تسميته بالوباء العاطفيّ. هذا "الوباء" يظهر، كأجلى ما يكون، في بروز روحيّة فدائيّة لدى الجمهور: افتداء الفريق أو النجم المحبوب بالنفس والنفيس.
على أنّ كرة القدم هي دين بلا آلهة. وإنّما أبطالها بشر موهوبون قادرون على استبدال المرجعيات المفارقة للدّين بما يتيحونه للجمهور، في الجانبيْن اللّعبيّ والمشهديّ، من الذهول والمتعة والأريحيّة والحذر والجمال.
هذا الواقع البشريّ للكرة، من الزاوية الإيطيقيّة الصرف، تهدّده قوانين السوق والتسليع والمال، وتهدّده، أيضا، هجمة الدين الكاسحة. هجمة يحصل معها قلب البشريّ إلى دينيّ والعكس صحيح. وبهذا القلب، تصير الكرة مقدّسا ومطلقا.
إنّ إغراق الكرة بالرموز الدينيّة وجرّها إلى فضاء المقدّس والمطلق، وتحويل فضاء اللعب والحرّية إلى فضاء تعبّد وخضوع، لا يقودان إلاّ إلى شيطنة اللّعبة من حيث أُرِيدَ لها القداسة، وسلبها، بذلك، واقعها الخصوصيّ الحرّ القائم على المشاركة والمنافسة والمفاوضة وعلى عفويّة الحركة وجماليّة المشهد واللّعب.
من المؤسف أنّ هذا الجري المحموم خلف جلد منفوخ يبتعد يوما بعد يوم عمّا أُريد له من تعارف وإشباع للغرائز الانتصاريّة في حيّز مقنّن محدود واقتصاد في نوازع الإقصاء والكره والعنف التي كانت في ساحات الحرب. لقد صارت الخسارة في الملعب، تحت وطأة قانون الربح في السوق، أمرا لا يحتمل. وصارت الرموز الدينيّة المتزايدة يوما بعد يوم وقودا لحروب دينيّة جديدة انتقلت من سوح القتال إلى سوح اللّعب.
ورغم أن قوانين الفيفا تحظر أيّ إعلانات سياسيّة أو دينيّة أو عنصريّة في هيئة اللّاعب وفي زيّه وفي سلوكه على الملعب إلاّ أنّ هذه الحظر لم يصمد أمام غزو الشعارات الدينيّة والسياسيّة بشتّى عناوينها. يحظر قانون الفيفا، صراحة، كلّ مظاهر الإشهار على ميدان اللّعب وعلى لوازمه داخل المستطيل. ولكنّ هذه المادّة القانونيّة المرنة تترك المجال واسعا لخروق ضمنيّة، إذ الفصل بين الميدان وخارج الميدان فصل وهميّ، فقمصان اللاعبين الداخليّة وإشاراتهم وطقوسهم التعبّديّة صارت تعضد ما يعجّ به محيط الميدان ومدارجه وسبّورته اللاّمعة من بلاغات إشهاريّة من كلّ لون.
كانت شهادةٌ معبّرة عن لاعبي كرة القدم منسوبةٌ إلى بلاز باسكال Blaise Pascal( 1623 – 1662 ) تقول: يا لهؤلاء الرجال. هاهم – وقد فقدوا الفردوس – يَجْرُون خلف جلد مدوّر !
وإذا سلّمنا جدلا بوجاهة شهادة هذا الفيلسوف والرياضيّ، يمكن أن نسأل: هل إنّ تكثيف الرموز الدينيّة في ملاعبنا، اليوم، هو بمثابة إفاقة متأخّرة لاسترداد هذا الفردوس المفقود؟

على هامش الحرب الكلامية بين مثقّفي مصر والجزائر




لم يكن التحرّك الديبلوماسي لتطويق الأزمة بين الحكومتين المصرية والجزائرية، و الذي تأخر لأغراض "تكتيكية" كما يقول محترفو السياسة، أو تمّ تأخيره (بقصد)، لتحقيق مصالح حزبية وشخصية محدّدة وضيّقة، كما يقول محترفو المعارضة سوى مسألة وقت في كلّ الأحوال. فالجميع يدرك - طبعا باستثناء صغار النفوس والعقول- أنّه لا توجد أصلا تناقضات جوهرية، ولا خلافات سياسية حقيقية بين البلدين الشقيقين، يمكن أن تؤجّج الخلاف وتديمه.
ومع ذلك فإنّ صفحة هذا الخلاف العابر التي يعرف الساسة متى يفتحونها، ومتى يأمرون بطيّها كشفت عن هشاشة قطاع كبير من الإعلاميين والفنّانين والمثقّفين سواء في مصر أو الجزائر، ولعلّ ذلك من فوائد الأزمات التي تكشف المخبوء والمكبوت، وتعرّي الحقائق وتفضح الإدعاءات.
لقد كشفت الأزمة الأخيرة، أن الساسة كبارهم أعني أنّهم أكثر عقلانية ورصانة في بعض الأوقات من المثقفين، وأحيانا من كبار المثقفين الذين أظهر قطاع منهم الكثير من الاندفاع والانفعال الحاد في ردودهم في وسائل الإعلام. فعلوا كلّ ذلك، وكأنّهم يشحذون الرأي العام ضدّ عدوّ وضع دباباته وطائراته استعدادا للحرب، بينما كان الساسة - وكبارهم أقصد- يتفرّجون بسخرية على مسرحية كلّفوا بعض موظّفيهم بإخراجها على عجل. ورغم رداءة الإخراج، بل قل بدائيته، تمكّنت المسرحية من الإيقاع بمن يفترض أنّهم نخبة مجتمعاهم من الكتاب والمثقّفين والفنّانين.
كنت أتابع كغيري ردود الفعل من هنا وهناك على الفضائيات وعلى الصحف والمواقع الإلكترونية والفايسبوك. واستمتعت حقّا بعديد المقالات الرصينة والذكية التي تدخّلت لإطفاء نار الفتنة والكشف عن الجهات والأطراف المستفيدة من إشعالها، ( وأذكر على سبيل المثال لا الحصر مقالات "عبد الباري عطوان" في جريدة القدس العربيّ ومقاليْ باسط بن حسن ومختار الخلفاوي على موقع الأوان الإلكتروني ). كنت أتابع الموضوع وأنا أستعدّ لحضور ندوة دولية بمدينة القيروان عن "الاستشراق وأثره في الثقافة العربية" (الاستشراق الغربي طبعا) إلى أن وقعت على مقال الكاتب ياسين تملالي الذي يحمل عنوان "حتّى أنت يا يوسف" والذي يردّ فيه على مقال للكاتب المصري يوسف زيدان صاحب الرّواية الفائزة بالبوكر أضخم جائزة عربية عن روايته "عزازيل". وأعترف أنّني صدمت بالمقال ومررت بحالة من الذهول، جعلت حماسي لحضور الندوة الخاصة بأثر الاستشراق في الثقافة العربية يخفت، بل قل يموت. فأي الاستشراقين أخطر علينا، استشراق عدد من محدودي الثقافة من الغربيين كما يسمّيهم المفكّر التونسي هشام جعيط ممّن لا يعتدّ بعلمهم لتواضعه وسخف نتائجه، أم الاستشراق المعكوس، استشراق عدد من كتابنا ممّن تجاوزوا بعنصريتهم وشوفينيتهم عتاة العنصريين الغربيين، والحال أنّهم كما هو الحال بالنسبة إلى يوسف زيدان ممّن يرفعون قيم وشعارات التسامح والحوار بين الأديان والشعوب ؟
يقول ياسين تملالي صاحب المقال المنشور بجريدة "الأخبار" اللّبنانية "لم تؤلمني العنصرية التي تذكر بها الجزائر ومصر في بعض وسائل إعلام البلدين، كما آلمني مقال يوسف زيدان «ذكريات جزائرية» («المصري اليوم» ــ 25 نوفمبر2009). كان أحرى بمن كتب دفاعاً عن روايته «عزازيل» أن «العنف لا يرتبط بجوهر الديانة» أن يردد أيضاً أنّ العنف ليس من «جوهر الجنسية الجزائرية»، بدل إقناع قرائه بأنّ الجزائريين مثال للعنف والصفات الذميمة من تعصب وتأهّب دائم لـ"فقء العيون".(….) شيّد صاحب «بوكر» صرحاً من الكليشيهات. نعرف من قراءتنا لإدوارد سعيد أن «الابتداع الجغرافي» (رسم جغرافيا وهمية تتلاءم مع ما نريد إثباته) هو من وسائل الاستشراق. هذا ما يقوم به زيدان، فلا حديث له عن الجزائر إلا كـ«صحراء». ونحن إذ نذكِّره بجغرافيا الجزائر، فلأنّ «لصحرائه» المبتدعة على منوال المستشرقين (بالأحرى على منوال هوليوود) وظيفةً محددةً: تصوير البلد على أنه بلد عنف أعمى لا يعرف النظام، وتصوير الجزائريين على أنهم همج يهيمون في تلك البيداء.. ؟
المقال طويل نسبيا، وقد عدت إلى مقال الكاتب يوسف زيدان، كما يمكن أن يعود إليه أي قارئ، وتأكّدت بأن كلّ ما نسب إليه من أفكار وردت حرفيا في مقاله، دون زيادة ولا نقصان، وهو ما جعلني أتساءل بمرارة كيف تصدر هذه الأفكار عن شخص كان منقطعا للكتابة عن التصوّف ورؤيته للعالم في سلسلة من المقالات بجريدة "المصري اليوم"، كما يشير في مقاله؟. كيف تصدر هذه الأفكار عن رجل باحث في تاريخ الأديان ومؤلف رواية جميلة عن المحبة والتصوف، وهي "عزازيل"؟. وهل ثمّة من المستشرقين العنصريين الشوفينيين ممّن تجرّأ وكتب مثل هذه الجمل التي صاغها مؤلف "عزازيل" من قبيل هذه الجمل المقتطعة من المقال " ذلك البلد المسمى الجزائر ، وهل هناك حقاً حكومة وجماعات إسلامية بهذا البلد المسمى (الجزائر)؟ …. لقد نسينا ونسى الجزائريون أن مصر هي التي أنفقت من أموالها كي تجعلهم عرباً، وأغدق جمال عبد الناصر عليهم وأوفد لبلادهم المدرسين المصريين كي يضعوا على ألسنتهم اللفظ العربي الذي أنستهم إياه فرنسا (الحرة) فلا هم ظلوا من بعد ذلك عرباً ولا هم صاروا فرنسيين..(…) ولم يكن من الصائب أصلاً أن نلاعب المجرمين، فالمجرمون ليس لهم إلا العقاب.. عقاب اللاعب الذي فقأ عين الطبيب، وعقاب البدو الصحراويين الذين صارت لهم بلد، فظنوا أنفسهم مثل المصريين وتخيَّلوا أن كل البلدان مثل كل البلدان.. وعقاب حكومة ركيكة تدير أمور بلدها كما تدير الرقيعات. و لا بد لنا أن نعى جيداً، أن (الجزائر) لا يصح أصلاً أن تكون خصماً لمصر، ولا كفوا لها.. وأن نعى جيداً، أن قطع العلائق مع الجزائر لن يضير مصر لا على المدى القريب ولا البعيد، وقطع النظر عن وجود هذا الامتداد القاحل في قلوب أهلها، سوف يضيف لنا أمراً عزيزاً فقدناه.. أمراً اسمه الكرامة التي أُهدرت بغير سبب ولا غاية إلا هوى الحكام وأحلام السياسيين فى كل العصور.."
لم يكن مقال يوسف زيدان سوى مثال لظاهرة إعلامية وثقافية فاجأت الكثير من المتابعين للشأن الثقافي والإعلامي العربي، وتقديرنا أن التوقّف عندها، ودراستها بشكل علمي مسألة على غاية من الأهمّية، لتأمل الأسباب التي أنشأتها، وغذّتها، لتكون خلايا نائمة، يمكن إيقاظها في أي وقت لتهديد أمن ما نطمئن إليه من مسلّمات وبديهيات . ولا نظنّ أنّنا قادرون على إجراء حوار ديني أو فكري أو حضاري مع الغرب الأوروبي والأمريكي وغيره ( على كثرة ما ننظّم من مؤتمرات في ذلك) ما لم تتحرّر الشعوب ونخبها الثقافية من جراحها وتهويماتها وأحلامها الحضارية والسياسية المجهضة، ما لم تجر تحليلا يمكّنها من التعامل معها بشكل نقدي فعّال، يحصّنها من نزعات التطرّف والعنصرية والشوفينية التي نبحث عنها عند المستشرقين والمفكرين الغربيين والحال أنها نائمة داخلنا.
هل استطعنا أن نبني معرفتنا وعلاقاتنا الثقافية المشرقية/ المغربية على أسس علمية وعقلانية رصينة لنمر إلى نقد عدد من المستشرقين على ادعاءاتهم وأخطائهم ومغالطاتهم؟ وهل نحن مهيئون علميا وحضاريا لإقامة ما أطلق عليه الباحث المصري حسن حنفي بعلم "الاستغراب" والحال أنّنا ما نزال نعاني من مصادرات وأحكام قبلية بين المشارقة والمغاربة من قبيل أن المغاربة مشكوك في عروبتهم وإسلامهم، ومن نوع أن المغاربة أكثر عقلانية وانفتاحا على العلوم الإنسانية من المشارقة الغارقين في مناخ الفكر الوهابي السلفي، ومن نوع أن مصر هي أم الدّنيا وأنّه لا نجاح لنهضة عربية بدونها، ومن نوع أن هناك شعوبا عربية أكثر تحضّرا من شعوب أخرى، وغير ذلك من الكليشيهات التي نظنّ أنّنا تجاوزناها والحال أنّها ماتزال خلايا نائمة في اللاّوعي الجمعي العام.

مقتطف من "علم نفس الجماهير وتحليل الأنا" لفرويد


ننقل إلى قرّائنا هذه الفقرة من كتاب ألّفه فرويد سنة 1921، للتّذكير بأهمّيّته وراهنيّته، والإغراء بقراءته، والدّعوة إلى استعمال ما فيه من أدوات تحليل، بدلا عن استعمال كلمة "الهستيريا" في غير محلّها، عندما تكون وصفا للاندفاع الجماهيريّ أو الإعلاميّ، ووصفا لتضخّم العواطف الشّوفينيّة والعنصريّة لدى من يحسبون على الثّقافة في هذا العالم العربيّ. فالهستيريا بالمعنى التّحليلنفسيّ بنية من بنى الذّات، لا ترتبط ضرورة بالمشهديّة والصّراخ والتّشنّج، وحتّى إن تجلّت في هذه الأعراض، فإنّها ناجمة عن آليّات نفسيّة فرديّة مختلفة عن الآليّات المرتبطة بـ"نفسيّة" الجماهير أو "الجموع".
(رجاء بن سلامة)
جعلنا نقطة انطلاقنا فيما تقدّم الواقعة الأساسيّة المتمثّلة في أنّ الفرد، المنخرط في جمهور، يتعرّض تحت تأثير هذا الجمهور لتغيّرات عميقة تطال نشاطه النّفسيّ. فعاطفيّته تتضخّم تضخّما مسرفا، بينما يتقلّص نشاطه الفكريّ وينكمش. وتضخّم الأولى وتقلّص الثّاني يتمّان باتّجاه تماثل كلّ فرد في الجمهور مع سائر الأفراد. وهذه النّتيجة الأخيرة لا سبيل إلى الوصول إليها إلاّ بإلغاء جميع أشكال الكفّ (*) الخاصّة بكلّ فرد، وبالعزوف عمّا هو فرديّ وخاصّ في نوازع كلّ واحد. ونحن نعلم أنّ هذه المفاعيل غير المرغوب فيها في كثير من الأحيان، قابلة للتّجميد، جزئيّا على الأقلّ عن طريق تنظيم الجماهير. لكنّنا بتوكيد هذا الاحتمال لا نمسّ من قريب أو بعيد الواقعة الأساسيّة المتمثّلة في تضخّم العاطفيّة وانخفاض المستوى الفكريّ لدى الأفراد المنخرطين في الجمهور البدائيّ. المطلوب إذن الوصول إلى التّبدّلات النّفسيّة التي يحدثها الجمهور في الفرد.
راجع "علم نفس الجماهير وتحليل الأنا" لسيغموند فرويد، تقديم وترجمة جورج طرابيشي
منشورات رابطة العقلانيّين العرب، بالتّعاون مع دار الطّليعة، 2006.
• inhibition

مساهمة في نقد ذهنية زياد الرحباني

يمثل إنتاج زياد الرحباني (الموسيقي و المسرحي ) أحد أهم مكونات ذهنية الإنتلجنتسيا العربية وبخاصة الثورية. انطلاقاً من أهمية الإنتاج –إنتاج زياد -تتضح أهمية التحليل النقد و الحوار، النقد الذي يجد في المشاركة و الحب و النزوع إلى التقدم مسوغاً له، النقد الذي يحاول التحرر من الفهم السائد الذي يرى في النقد و السياسة حرباً –أو تجسيداً لحرب قومية أو طبقية أو فئوية– ويرى في الحوار حواراً للطرشان إذا تجاوز الأمة أو الطبقة أو الشريحة أو الفئة أو الملة … هذا النقد الذي يرى في الإنسان كائناَ قوميا محضا أو طبقيا محضا أو فئويا محضا أو ملّويا محضا … أما صاحب هذه السطور فيرى الإنسان على أنه بالإضافة إلى ذلك بل و قبله إنسان الإرادة الحرة والعلم الناقص و إنسان التقدم و الصيرورة …هذا التحليل و النقد سيحاول تجاوز النقد الأيدلوجي جدلياً إلى نقد معرفي وسيحاول نقد الأسس المعرفية لذهنية زياد الرحباني من خلال إنتاجه الموسيقي و المسرحي و الأدلوجي و لن يتطرق النقد إلى العوامل الذاتية المحضة في تأثيرها على ذهنية زياد الرحباني نظراً لعدم اشتغال صاحب هذه السطور بالتحليل النفسي. ولكن سأدرس تطور ذهنية زياد الرحباني انطلاقاً من تأثير المحيط الاجتماعي عليه ..ولأنني أرى الإنسان باعتباره جدل الذات و الوجود الاجتماعي لذلك تعتبر هذه الدراسة ناقصة و قاصرة عن فهم ذهنية زياد و هي تحتاج إلى إغنائها و تلوينها بمكتسبات نظريات التحليل النفسي و مناهج السكونية. تمثل العائلة الشكل الأول للوجود الاجتماعي الذي يتموضع فيه الفرد و تتشكل فيه نزعاته وطموحاته وقدراته وقد وجد زياد في عائلة ذات تاريخ عريق في مجال الموسيقى الشرقية الكلاسيكية وقد ساعده ذلك على اكتشاف موهبته الموسيقية وتطويرها وإغنائها وكان لولع زياد وعاصي الشديد بالموسيقى دور كبير في امتلاك زياد لكل أسس الحرفة الموسيقية من تلحين وتوزيع شرقي –حيث عمل كعازف بيانو وأوكروديون في وقت مبكر مع فرقة الأخوين رحباني و كذلك تلحينه لأغنية (قديش كان في ناس) وأغنية (سألوني الناس) وكذلك إطلاقه لألبوم (رحبانيات)- و كذلك عمله في المسرح الغنائي –ومسرحية (سهرية) 1973 دليل هام على ذلك- وتأتي المدرسة عادة في المرتبة الثانية من حيث تأثيرها على الفرد –أو هذا ما تعتمده اجتماعيات الثقافة الغربية على الأقل- و تدرس هذه الاجتماعيات دور المدرسة كناظم لطموح الفرد المهني والمعرفي والسلوكي ولكن المدرسة العربية تتضاءل أهميتها في نظم تطلعات الفرد المهنية والمعرفية وإنما تؤثر عليه سلوكياً فتكون ثاني محطة –بعد الأسرة- لاصطدام الفرد مع الذهنية السائدة وممثليها ولكن في هذه المحطة تفقد هذه الذهنية ما تملكه الأسرة من بعد عاطفي وتكون أكثر موضوعية وأكثر تجرداً في نقلها للذهنية السائدة إلى فكر الفرد و قد كان تأثير المدرسة على ذهنية زياد شبه معدومة من الناحية المهنية وضئيلة –كأي مدرسة متخلّفة- من الناحية المعرفية ولكن تأثيرها كان كبيراً من الناحية السلوكية حيث تبلور فيها وعيه بالتفاوت بين الصورة التي رسمتها له أسرته حول الواقع و صورة الواقع الفعلية مما جعله يميل إلى الطروحات اليسارية –من قلب المجتمع السياسي المسيحي- ويعبر زياد عن ذلك في حوار العمر من خلال ميله إلى طروحات الطالب الجامعي وقتها الأستاذ جوزيف سماحة ، سنعود قليلاً إلى نشاط زياد الموسيقي فبالموازاة مع الواقع الذي بدأ يقرؤه من زاوية المدرسة الأكثر موضوعية كانت الحرفة الموسيقية لدى زياد تتطور لدرجة أنه اكتسب الحرفة الموسيقية في وقت مبكر عن عمر لم يتجاوز ال17 عاماً . اكتسابه الحرفة الموسيقية كان له الدور الأكبر في بلورة النزوع الثوري لديه حيث امتلاك شخص للمهنة يعني قدرته الانفصال عن مؤسسة العائلة واكتساب صيغة اجتماعية أكثر حرية وهذا يفسر جانباً من جوانب فهم انتمائه اليساري الشيوعي فيما بعد والجانب الآخر الذي يمكن أن يساعدنا على فهم هذا الانتماء يتمثل في عمله في المسرح - وخصوصاً ككاتب للمسرحية بنصها و أغانيها وتحكمه بالرؤية الإخراجية- حيث أن طبيعة المسرح تفترض رؤية شمولية. هذان الجانبان برأيي يفسران السبب الذاتي الذي دفع زياد إلى الانتماء للشيوعية المعروفة ببعديها الثوري و الشمولي، ويمكن أن نضيف سبباً آخر طرحناه منذ قليل بشكل خجول - متمثلا في الهوة بين الصورة المثالية للواقع التي رسمتها أسرة زياد له والصورة الفعلية للواقع الذي عاشه موضوعياً في المدرسة ،هذه الهوة تدفع صاحبها إلى أحد خيارين أحدهما العزلة الاجتماعية و الاغتراب، أي بلغة ماركسية هيجلية موقف النفي و الخيار الآخر يتمثل بالنفي الإيجابي للعالم أي رفض الواقع من أجل تغييره إلى واقع أكثر إنسانية و هذا ما اختاره الفكر الماركسي والايدولوجيا الشيوعية – والشيوعية السائدة اختزلت الإنسانية إلى العدالة الاجتماعية وأغفلت بل وتناست جوانب أخرى كثيرة- وهو ما اختاره زياد في ما بعد …
أما الجانب الموضوعي في انتمائه للأيديولوجيا الشيوعية فقد تمثل في الإشكاليات التي عانى ومازال يعاني منها المجتمع اللبناني حيث أدى غياب المواطنة في الدستور اللبناني وغياب العدالة الاجتماعية وغياب التحديد القومي لهوية لبنان و وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان إلى إشكاليات كبيرة تمخضت عنها حرب أهلية طبقية طائفية شوفينية إقليمية استدعت عند زياد نزعات علمانية، هذه النزعات التي تواجدت في شكلها الأكثر تطرفاً في الأيديولوجيا الشيوعية… عند هذه النقطة نكون قد انتهينا من تحليل مسيرة زياد الرحباني كعقل منفعل و سأبدأ في السطور التالية بنقد مفاهيم زياد كعقل فاعل في الوجود الاجتماعي مع التذكر الدائم لجدلية العلاقة بين العقل المنفعل والعقل الفاعل وعدم إمكانية الفصل الميكانيكي بين الحالتين الذهنيتين.. في الفترة الزمنية التي امتدت منذ العام 1973 إلى مطالع الثمانينات -وأرجو عدم التدقيق على هذا التحديد التعسفي للأعوام نظراً لتدريجية التحولات- يمكننا قراءة ذهنية زياد على ضوء مفاهيم الصراع الطبقي والطائفية والشوفينية والاشتراكية والعلمانية والمشروعية الثورية والشعب و يمكننا تأسيس نقد أيدلوجي على ضوء مفاهيم الثورة الثقافية والوحدة القومية والبراكسيس . ونقد معرفي لهذا النسق المفاهيمي على ضوء الوضعية العلموية وغياب المفهومية . فزياد انتمى إلى مجتمع غصّ بحرب طبقية ذات تلوينات طائفية وشوفينية معقدة، هذه الحرب التي لعبت فيها الامبريالية دوراً كبيراً في تحويل مجرياتها وخلخلة محصلة القوى في المجتمع اللبناني، وقد استدعت هذه الأبعاد الثلاثة للواقع اللبناني عند زياد حلاً ذهنياً متمثلاً في الاشتراكية العلمية والعلمانية وإنني أتفق مع زياد أدلوجياً في هذا الحل مع اختلاف حول مفهوم العلمانية التي يرى فيها زياد اقتراباً من اللادينية في حين أنني أذهب مع المفكر الكبير صادق العظم في أن العلمانية العربية الأنسب تتمثل في الحياد الإيجابي للدولة تجاه الطوائف والأديان ولكنني أختلف مع زياد كثيراً -أيديولوجياً- عندما شرع يقترح الأساليب لتنفيذ هذا الحل فهو مع دكتاتورية الحزب (الديكتاتوري) التي تتأسس على المشروعية الثورية والذي يتكلم عن الشعب كثيراً أثبتت التجارب غياب العلمية عن اشتراكيته وانحطاطها إلى شمولية بيروقراطية ورأسمالية فلاحية . وأعارض جدلياً الحل الذهني الذي تبناه زياد للواقع اللبناني بضرورة توسيع هذا النسق المفاهيمي وإعادة تشكيله بحيث تندرج مقولات الوحدة القومية والثورة الثقافية وفلسفة البراكسيس المتمثلة في التحالف الطبقي المشكل من العمال و الفلاحين الفقراء وحزبها الثوري العقلاني. فقد اتضح أن مشاكل لبنان و فلسطين مستعصية على الحل في غياب المشروع القومي العربي الوحدوي و أن كل محاولة قطرية للحل لا تنتهي إلا إلى مزيد من البؤس في الواقع و تنازلات في السياسة و نكوص اجتماعي ثقافي .وقد اتضح أيضاً أن غياب الثورة الثقافية عن المشاريع التنموية يفرّخ الارهاب و ينعش كل عتيق في الثقافة وينكص عن كل حديث في الاجتماع بحيث يتحول الشعب إلى سديم يفقد أدنى درجات الفردانية، هذا ما تعامى عنه زياد أما ما اعتقده الوسيلة لتحقيق الحل فقد تمثل في مقولة الشعب دون أن يُخضِع هذه المقولة إلى أي فحص أو تحديد مما انحدر بخطابه إلى الشعبوية التي تحول الشعب سديماً تميزه العطالة و غياب المبادرة التاريخية. كلمات مثل الشعب و الجماهير و الأمة و الطبقة و الثورية .. عانت من البداهة و التبسيط –وكل بداهة لا تخلو من استبداد-هذا ما أشار إليه المرحوم الياس مرقص . غياب المفهومية، غياب الفكر كان المشكلة الأكبر التي تجسدت في كل خيبات الحركات التقدمية العربية . غياب المفهومية سبب اختزال الماركسية و غيرها من النظريات التغييرية والأيديولوجيات العضوية إلى قوالب جامدة أشبه بسرير بروست تدخل الواقع في آلتها الفكرية لتخرجه فقيراً ينتظر حلولها الأحادية الجانب، هذا ما ذهب إلى نقده المفكر المرحوم الياس مرقص فأعلنها حرباً استنفدت الكثير من سنوات حياته على الوضعية العلموية بشكلها الستاليني وكاريكاتوره العربي. بعد هذا الإغراق في التجريد سأحاول العودة جدلياً إلى مسيرة حياة زياد عملياً و سلوكياً –في تلك الفترة- و لكن لا بد لنا من تناول النسق المفهومي الذي يحكم السلوك و العمل و الذي يتماشى مع النسق المفهومي لمشروع زياد السياسي الطبقي الذي شرحته منذ قليل. حيث أن زياد شخص يعمل في الحقل الثقافي من مسرح وموسيقى وقد أكسبه مسرحه الشعبي ميزات الشخصيات العامة –و التي استثمرها في أعماله الإذاعية مع إذاعة صوت الشعب-والفرد الذي يعمل في الثقافة يفترض به إذا كان متبنياً لمشروع سياسي طبقي –وفقاً للعقلية الوضعية- أن يتفرغ لمهام التعبئة الأيديولوجية و التسيس والأدلجة بحيث تخدم الثقافة الكادح في حربه الطبقية الطائفية التي ستنقل المجتمع من وضع التبعية و التخلف الحضاري إلى وضع آخر أكثر عدالة وانسانية (الاشتراكية على سبيل المثال) وهذا الفكر متماشٍ إلى درجة كبيرة مع ما أنجزه زياد -ثقافياً- في تلك الفترة حيث تفرغ للعمل في المسرح على حساب الموسيقى رغم اعترافه بأن المسرح ليس ميدانه وأن الموسيقى هي عطشه، و نجاحه النسبي في مسرحه الشعبي ساعده كما أسلفت على أن يصبح شخصية عامة ذات حضور في المجتمع اللبناني فاستثمر هذه الميزة في البرامج الإذاعية (بعدنا طيبين ..قول الله-مع جان شمعون) التي أخذ يعدها و يقدمها بهدف التعبئة الأدلوجية حيث أخذ يتناول في هذه البرامج ظواهر و مشكلات الواقع اللبناني نقدياً بما يكرس الادلوجة التي يتبناها في حين أن إنتاجه الموسيقي لم يظهر في تلك الفترة واتصفت أعماله الغنائية (بالافراح، رحبانبات، كيرياليسون، أنا مش كافر، وحدن) بالقلة وغياب المشروع وكذلك اتصفت وهذه هي النقطة الأهم بتقليديتها وغياب العناصر الإبداعية والتجديدية سواء من حيث غياب الهارمونية في التوزيع أو التجديد الجمالي في مفردات الأغاني -باستثناء قلة قليلة- ويمكننا أن نجد هذه الأغاني حالياً في أقراص ليزرية مرفقاً معها الأغاني اللبنانية –و تعرف هذه الأقراص باللبنانيات القديمة- التي أنتجت في تلك الفترة مما يدل على تماشيه مع المنطق السائد في الحقل الذي يجب أن يكون الأهم،حقل العمل، ولا بد لنا من التذكير بأن العناصر الإبداعية و التجديدية جمالياً التي امتازت بها أعماله الموسيقية و الغنائية اللاحقة كانت تظهر في أماكن متفرقة من نتاجه الثقافي مما يدلل أن ظهورها وإنضاجها كان ممكنا في تلك الفترة ولكن زحمة المهام السياسية و الأيدلوجية كانت تمنعه عن ذلك. بعد هذا الاستعراض لا بد من النقد، لا يمكن الحديث عن الفن خارج الصراع الطبقي من حيث المحتوى والتوظيف لا بد أن نتفق على هذه الفكرة ولكن هل كان محتوى الإنتاج الثقافي لزياد في تلك الفترة متلائما مع الدور التغييري الشمولي للأيديولوجيا التي تبناها، أرى أن هذا هو السؤال الأساسي الذي يجب الانطلاق منه من أجل تقييم إنتاج زياد، أنا لا أرى في ما أنتجه زياد تلك الطاقات التغييرية التي تتسم بها أيديولوجيته فقد كان ثورياً حداثياً سياسياً وطبقياُ و لكنه تقليدي فنياً وأجد أن ما ذهب إليه زياد في ما بعد هو الإنتاج الذي يتناسب مع تصوره الحداثي للواقع اللبناني بكل ابعاده، و سأتناول ذلك فيما بعد، و لكن دعونا نرى أين أساس هذا التصور؟ إنني أرى الأساس معرفيا حيث يتمثل في وضعية زياد الفلسفية التي رأت في الفن و الثقافة خادماً للإنسان لكن دون الوفاء للفن و الثقافة، هكذا تعاملت الوضعية العلموية الماركسية مع الواقع بكل أبعاده السياسية و الثقافية و الفنية فتبنت سياسة ثقافية جماهيرية تصالحت مع الثقافة الشعبية رغم مكوناتها التقليدية المعادية لكل حداثة بدلاً من سياسة ثقافية طليعية تنقد موروثها لتميته موتاً جميلاً و لن يتسع المقام هنا لسرد المذابح التي ارتكبت بحق الفن و الأخلاق التراث والدين من قبل الماركسية الوضعية التي رأت في تلك المرحلة فرصة للتغيير و لو على حساب الروح الانسانية بكل أبعادها حيث تصورت أنها ستنتقل من وضع رقم (1) يمتاز بكل ما هو سوداوي و قبيح يسمح فيها ارتكاب الأخطاء من أجل تسريع وتيرة التغيير-الغاية تبرر الوسيلة- إلى الوضعية (2) التي يتفرغ فيها التقدمي الثوري لإنجاز مشاريعه الثقافية و الفنية، هذه الوضعية الفلسفية جرت الحركات (التقدمية) إلى براجماتية سياسية و ثقافية وعدم تحقيق أي من الأهداف التي تطلعت إليها.
و في مطالع الثمانينات يبدأ زياد مشواره الإبداعي بعد أن شذّب فهمه للواقع السياسي الاجتماعي اللبناني في مسرحيته (فيلم أميركي طويل) و بعد أن انتقلت الحرب اللبنانية من حرب أهلية إلى حرب ميليشيات مدعومة إقليمياً مستهلاً هذا المشوار بحفلات موسيقية تؤدى فيها موسيقى هارمونية كلاسيكية تحاكي الموسيقى الشرقية و موسيقى الجاز الأمريكي عبر توليفات إبداعية أسست لما يسمى حالياً بالجاز الشرقي حيث قدم حفلة بعنوان (بها الشكل)في العام 1983 و انتقل في العام نفسه إلى الحقل الثقافي ليعترف أن هذا هو مكانه الملائم و يبدأ مشواره بنقد هذا الحقل عبر مسرحية (شي فاشل) حيث يقوم بنقد التراث الرومانسي في المسرح والتراثي في الموسيقى ويطالب بثقافة على لسان أبو الزلف تتماشى مع روح العصر وتفرغ بعد ذلك لإصدار ألبوم هدوء نسبي 1985 و أجرى جولة من الحفلات غطّت لبنان يقدم فيها موسيقاه الجديدة ثم قّدم فيلماً تسجيلياً يحمل عنوان الألبوم يشرح فيه مشروعه يوضح غاياته وصعوبات إنتاجه و نشره و تلقيه من قبل المستمع و كذلك يبدأ مشروعه الإبداعي مع فيروز في ألبوم معرفتي فيك الذي يقدم فيه أغنية شرقية حديثة بكل معنى الكلمة فمن الموسيقى الهارمونية التي تسود الألبوم إلى كلمات الأغاني التي تعلن عن حس جمالي مخالف لما ورثته الأغنية العربية إلى إغناء الفرق الموسيقية العربية بالآلات النفخية إلى توليفات الجاز الأمريكي ثم تأتي فترة الاضطراب التي عاشتها بيروت الغربية التي تم فيها إبعاد الحزب الشيوعي عن المقاومة وقامت معارك أيدلوجية وسياسية وعسكرية بين المقاومة الإسلامية وجبهة المقاومة الوطنية وقد شارك زياد في هذه المعارك ادلوجياً حيث قام بتقديم عدد من البرامج الإذاعية (العقل زينة – ياه ما أحلاكن – تابع لشي.. تابع شي)حاول فيها مساجلة المد الديني الطائفي الرجعي الذي ساد لبنان وبيروت الغربية ثم يعود ليكمل المشاريع التي بدأها بحفلة الجامعة اللبنانية في بيروت وألبوم (كيفك إنت) مع فيروز وليعود للمسرح مرة أخرى ولكن بطرح فكري مختلف وشكل مسرحي جديد حيث قدم مسرحيتي (بخصوص الكرامة و الشعب العنيد) و (لولا فسحة الأمل) بشكل تجريبي أحدث عواصف لدى النقاد المسرحيين في لبنان وأثار حوارات كثيرة لدى اليساريين حول الطرح الفكري للمسرحية التي تؤكد على ضرورة مفاهيم الحداثة البرجوازية لبناء إنسان ودولة حديثين ..
و يستكمل زياد مشواره الموسيقي والغنائي بشكل أكثر راديكالية سواء في ألبوماته مع فيروز والتي بلغت ذروتها في ألبوم (ولا كيف) الذي استقبله المثقفون بترحيب كبير على عكس الشارع وتتضح كذلك هذه الراديكالية في ألبوم (مونودوز) مع سلمى المصفي وفي حفلات (de capo) التي أعلن فيها بداية جديدة في الموسيقى يكون فيها أكثر وفاءا لنفسه و للموسيقى التي يكتبها و لكن تأتي محطات مثل ألبومه مع لطيفة (معلومات أكيدة) أو بعض أغاني ألبوم (بما أنو) لتثير التساؤل عن مدى جدية زياد في مشاريعه و توضح لنا الإعلانات التي أطلقا و ألبوم (نص الألف خمسمية) أن زياد يرى الآن أن نص الألف خمسمية وهو الذي كان يطالب "بألف وخمسمية" مما يوضح لنا أن القطيعة التي أقامها زياد مع تراثه السبعيني لم تكن منهجية على الأقل على مستوى السلوك من حيث عدم إحساسه بالمسؤولية تجاه جمهوره –وهو ما يتضح في مقابلاته التلفزيونية- ومن خلال اضطراب الخط البياني لمشاريعه الفنية .

في الثقافة الدينيّة اليهوديّة

المدراش الأول: موت موسى
في كتابنا المختصر، مدخل إلى مشروع الدين المقارن ( دار الأولى2002) ، أشرنا إلى أمثلة حول نصوص في صحيح البخاري مستمدّة حرفيّاً من التراث اليهوديّ ما بعد التوراتيّ. وتوقّفنا عند مدراش موت موسى أو بالعبريّة מדרש פטירת משה. وكانت تلك المرّة الأولى ربّما التي يشار فيها إلى هذا المدراش الهامّ باللغة العربيّة. مع ملاحظة أنّ هذا النصّ والمدراش الذي سنستعرضه باختصار بعده، قانونيان يهوديّاً بالكامل، بعكس نصّ عهد موسى الذي يعتبر أبوكريفا. فما هو مدراش موت موسى هذا؟
مدراش بطيرات موشيه (موت موسى) هو واحد من المدراشيم ( ج. مدراش ) التي تحمل اسم المدراشيم الصغيرة. وفيه نجد وصفاً بتفاصيل دقيقة لآخر أفعال موسى وموته، حيث كان الله والملائكة حاضرين. هنالك نصوص عديدة منقّحة لهذا المدراش، تتراوح تواريخها بين القرنين السابع والحادي عشر للميلاد. نشر موت موسى للمرّة الأولى في القسطنطينيّة عام 1516 ( يمكن أن نجده في مجموعة أدولف يلنيك، بيت ها مدراش، ص ص. 115-129 ). يبدأ النص بتفسير مختصر يقدّمه الحاخام صموئيل نحماني والحاخام تنحوما، وهو أهمّ هاغادي بين الجيل الخامس من الأمورائيم الفلسطينيين، للآية الأولى لمقطع ف-زوت ها بيراكاه [ وهذه هي البركة ]، أي الاصحاح 33 الآية 1 من سفر التثنية، حتى الآية الأخيرة من الإصحاح الأخير، 34؛ ودون أدنى شكّ الإعداد لسمحات توراه، وهو الاحتفال الذي يقام في ذكرى انتهاء القراءة العمومية للتوراة، والبدء بقراءة عمومية جديدة.
النص في سفر التثنية لا يخلو من مشاكل. فقصيدة موسى الموجودة في الإصحاح 33، هي على الأرجح مضافة بين إعلان وفاة النبيّ المفترض ورواية وفاته. هذه القصيدة هي وصيّته، مثلما أنّ القصيدة في سفر التكوين 49 هي وصيّة يعقوب. تذكر الآيات هنا أقوالاً وأمثالاً عن الأسباط لا شكّ أنّها منفصلة تاريخيّاً بعضها عن بعض، كما أنّها تعكس صورة أحوال تاريخيّة يصعب تقديرها، وقد لا تنتمي إلى الحقبة التاريخيّة ذاتها. هذه الأقوال تفترض أنّ الأسباط كانت قد استقرّت في أراضيها التاريخيّة النهائيّة، وأنّ لبعضها تاريخاً طويلاً (رأوبين ودان، مع العلم أنّ شمعون أهمل لأنّه دمج مع يهوذا).
مضمون المدراش:
كما سبق وقلنا، فالمحتوى الفعليّ لهذا المدراش هو معالجة أغاديّة لما ورد في الآيات المشار إليها من التثنية. يلحق بها تفسير آخر للإصحاح الثالث، الآية 23 وما بعد من السفر ذاته. إضافة إلى حوار مطوّل بين الله وموسى، حيث يقدّم الأخير بأنّه غير راغب بالموت. وفي كتابنا المشار إليه آنفاً، تحدّثنا كيف ضرب موسى ملك الموت على عينه فأتلفها، فلم يعد ملك الموت يظهر لمن يرغب بأخذ نفسه، لأنّ موسى شوّهه. والقصّة بشكل أو بآخر موجودة عند المسلمين. لكنّ كلّ دموع موسى وتوسّلاته تذهب هباء، لأنّ الله أمر كلّ أمراء السماء بإغلاق بوابات الصلاة.
في أواخر أيامه، حتى السابع من شهر آذار العبرانيّ، كان موسى يفسّر التوراة لبني إسرائيل؛ ويوم موته، كما يقول الحاخام هلبو، كتب موسى ثلاث عشرة توراة، إثنتا عشرة واحدة منها للأسباط الإثني عشر، والأفضل كانت لتابوت العهد؛ يقول بعضهم إنّ الملك جبريل نزل وأخذ التوراة من يدي موسى، حاملاً إيّاها من سماء إلى سماء كي يظهر تقوى كاتبها، وأنّ أنفس المقدّسين تقرأ من هذه التوراة أيام الإثنين والخميس من كلّ أسبوع ( نلاحظ هنا هذين اليومين عند المسلمين أيضاً)، إضافة إلى الأعياد. يعقب هذا فصل طويل يبدأ بوصف الحاخام يوسيا للمجد الذي أحاط به موسى يشوع بن نون، والخدمة التي أدّاها في آخر أيام حياته.
بعد هذا الوصف لانتهاء حياة موسى، يطلق صوت سماوي (بات قول) تحذيراً مع تأكيد متزايد على الساعات، بل الثواني، التي بقيت له. هذا التعداد للساعات والصيغة التقليديّة للبات قول יצתה בת קול ضروريّ لتحديد اعتماديّة إضافات في التثنية راباه ( الإصحاح 11 ) والتحرير الثاني على النسخة الأصليّة.
منذ بدايات المدراش نجد ذكراً للملاكين جبريل وزانغازيل، " كاتب كلّ أبناء السماء "؛ لكن في الساعات الأخيرة من حياة موسى، نجد أنّ سامائيل (راجع نصوصنا حول بار يوحاي)، رئيس الشياطين، هو الأوضح فعالية حيث يراقب خروج النفس، في حين ينتحب ميخائيل وينوح. في النهاية يؤمر سامائيل بإحضار نفس موسى، لكنه يفرّ خائفاً أمام نظراته. يظهر من جديد وهو يحمل سيفاً مسلولاً أمام موسى، لكن عليه أن ينحني أمام الشيم ها-مفورا (اسم آخر ليهوه من زمن التنايم)، المنقوشة على عصا قائد بني إسرائيل. لكنّ اللحظة الأخيرة تقترب، ويظهر الله ذاته لتسلّم نفس موسى. يرافق الله ثلاثة ملائكة أبرار لتحضير مكان راحة نفس موسى، الذي تؤخذ نفسه أخيراً عبر قبلة الموت.
المدراش الثاني: تاريخ موسى
تاريخ موسى أو بالعبريّة كلمات أيام موسى דברי הימים של משה هو أيضاً واحد من المدراشيم الصغيرة. في هذا المدراش، المكتوب باللغة العبريّة النقيّة، والذي يبدو في العديد من أقسامه إنّما يمدّنا بمجرّد إشارات إلى آيات من التوراة مقلّداً بذلك على نحو دقيق أسلوب الكتابة التوراتيّة، نجد تأريخاً لحياة موسى المزيّنة بأساطير كثيرة.
تبدو هذه الأساطير قديمة جدّاً، لأننا نجد أساطير مشابهة أو الأساطير ذاتها عند يوسيفوس (عاديات، 2، 9، §§ 2 وما بعد)؛ مثل قصص نبوءات أحد الحكماء للملك حول ولادة طفل سيقضي يوماً على سلطان المصريين (في المدراش يحلّ الحلم محلّ النبوءة؛ قارن هنا أيضاً الترغوم الأورشليمي لسفر الخروج 15:1 ). وبناء على هذه النبوءة يأمر الملك برمي كلّ ذكور الإسرائيليين في النهر؛ قصّة التاج الذي يضعه الملك على رأس موسى، فيرميه موسى على الأرض ( في المدراش يقال إنّ موسى هو الذي أخذ التاج من على رأس الملك)؛ قصّة موسى الذي يقود بني إسرائيل في حربهم ضدّ الأثيوبيين، واستخدامه لطائر أبي منجل في محاربة الأفاعي التي جعلت الطريق عليه خطرة، ووقوع ابنة الملك في حبّه (يقول المدراش إنّ موسى يدخل معسكر الملك الأثيوبي قيقنوس קיקנוס ، الذي يتزوّج في أعقاب موته أرملته، ويتغلّب على أخطار الأفاعي، ويأخذ المدينة التي ضرب حولها الحصار زمناً طويلاً ).
بحسب آ. يلنيك ( بيت ها مدراش، 2، ص 8)، فإنّ حياة موسى تمّ تناولها أصلاً بالتفصيل في تاريخ استخدم مصادر أكثر قدماً. وقد دُمج هذا العمل في مجموعة معروفة من الأساطير بعنوان سفرها يشار ومن هذا أخذ اليلقوط خلاصات تتوافق مع السفر ها يشار ولا تمثّل تاريخ موسى. في زمن لاحق تمّ تحرير أقصر لنسخة أقدم من التاريخ، وهذا التحرير هو الموجود بين يدينا اليوم.
يرجّح شتراك وشتمبرغر ( 1991 ) أنّ تاريخ العمل هو إمّا القرن العاشر أو الحادي عشر للميلاد. وقد نشر في القسطنطينيّة عام 1516، وفي البندقيّة عام 1564، وفي غيرهما من المدن؛ ثمّ أعاد يلنيك طبع العمل في البيت ها مدراش. أخذ مؤلّف المدراش وافوشا مقاطع من هذا التاريخ، كما كان أحد مصادر الشيموت راباه؛ كذلك استشهد به في الأروك ابن عزرا (الذي يرفضه على أساس أنه منحول) على خروج 22:2، وكذلك يستشهد به صموئيل بن مئير في سفر الأعداد.

من أقاصيص الحبّ المثليّ: مقتطفات من طوق الحمامة في الألفة والألاف - لابن حزم

ابن قزمان وأسلم
"ولقد حدثني أبو السرى عمار بن زياد صاحبنا عمن يثق به، أن الكاتب ابن قزمان امتحن بمحبة أسلم بن عبد العزيز، أخى الحاجب هاشم بن عبد العزيز. وكان أسلم غاية في الجمال، حتى أضجره لما به وأوقعه في أسباب المنية. وكان أسلم كثير الإلمام به والزيارة له ولا علم له بأنه أصل دائه، إلى أن توفي أسفاً ودنفاً.
قال المخبر: فأخبرت أسلم بعد وفاته بسبب علته وموته فتأسف وقال: هلا أعلمتني؟ فقلت: ولم؟ قال: كنت والله أزيد في صلته وما أكاد أفارقه، فما علي في ذلك ضرر. وكان أسلم هذا من أهل الأدب البارع والتفين، مع حظ من الفقه وافر، وذا بصارة في الشعر، وله شعر جيد، وله معرفة بالأغاني وتصرفها، وهو صاحب تأليف في طرائق غناء زرياب وأخباره، وهو ديوان عجيب جدا. وكان أحسن الناس خلقاً وخلقا، وهو والد أبي الجعد الذي كان ساكناً بالجانب الغربي من قرطبة". (باب السلوّ)
ابن الطّنبيّ ومعشوقه
وأما خبر صاحبنا أبي عبد الله محمد بن يحيى بن محمد بن الحسين التميمي، المعروف بابن الطنبي فإنه كان رحمه الله كأنه قد خلق الحسن على مثاله أو خلق من نفس كل من رآه. لم أجد له مثلاً حسناً وجمالا وخلقاً وعفة وتصاوناً وأدباً وفهماً وحلماً ووفاء وسؤدداً وطهارة وكرماً ودماثة وحلاوة ولباقة وإغضاء وعقلا ومروءة وديناً ودراية وحفظاً للقرآن والحديث والنحو واللغة، وشاعراً مفلقاً حسن الخط، وبليغاً مفنناً، مع حظ صالح من الكلام والجدال. وكان من غلمان أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي أستاذي في هذا الشأن، وكان بينه وبين أبيه اثنا عشر عاماً في السن، وكنت أنا وهو متقاربين في الأسنان.
وكنا أليفين لا نفترق، وخذنين لا يجري الماء بيننا إلا صفاء، إلى أن ألقت الفتنة جرانها (…)
ثم ركبنا البحر قاصدين بلنسية عند ظهور أمير المؤمنين المرتضى عبد الرحمن ابن محمد، وساكناه بها. فوجدت ببلنسية أبا شاكر عبد الرحمن بن محمد بن موهب العنبري صديقنا، فنعى إلى أبا عبد الله بن الطنبي وأخبرني بموته رحمه الله ثم أخبرني بعد ذلك بمدينة القاضي أبو الوليد يونس بن محمد المردي وأبو عمر وأحمد ابن محرز، أن أبا بكر المصعب بن عبد الله الأزدي، المعروف بابن الفرضى، حدثهما، وكان والد المصعب هذا قاضي بلنسية أيام أمير المؤمنين المهدي، وكان المصعب لنا صديقاً وأخاً وأليفاً أيام طلبنا الحديث على والده وسائر شيوخ المحدثين بقرطبة قالا : قال لنا المصعب:
سألت أبا عبد الله بن الطنبي عن سبب علته، وهو قد نحل وخفيت محاسن وجهه بالضنى فلم يبق إلا عين جوهرها المخبر عن صفاتها السالفة، وصار يكاد أن يطيره النفس، وقرب من الانحناء، والشجا باد على وجهه، ونحن منفردان. فقال لي : نعم : أخبرك أني كنت في باب داري بقديد الشماس في حين دخول علي بن حمود قرطبة، والجيوش واردة عليها من الجهات تتسارب، فرأيت في جملتهم فتى لم أقدر أن للحسن صورة قائمة حتى رأيته، فغلب على عقلي وهام به لبي، فسألت عنه فقيل لي : هذا فلان بن فلان، من سكان جهة كذا، ناحية قاصية عن قرطبة بعيدة المأخذ. فيئست من رؤيته بعد ذلك. ولعمري يا أبا بكر لا فارقني حبه أو يوردني رمسى.
فكان كذلك، وأنا أعرف ذلك الفتى وأدريه، وقد رأيته لكني أضربت عن اسمه لأنه قد مات والتقى كلاهما عند الله عز وجل. عفا الله عن الجميع. (من باب الموت)

في نقد فلسفة هايدغر (3/1)

"بما أننا خَلَفٌ لا نستطيع أن نعرف كيف كنّا سنتصرّف في ظروف الدكتاتورية السياسية، من الواجب علينا التريّث في إصدار الأحكام الأخلاقية بخصوص التزامات هايدغر السياسية(1)". بهذه العبارات يُباشر هابرماز مسألة انضمام هايدغر للنازية. كارل ياسبرس مثلا، كتب، تحت طلبٍ من "لجنة التطهير السياسيّ" بجامعة فرايبورغ، قائلا إنّ " تفكير هايدغر هو تفكير غير حرّ، دكتاتوريّ ولا تواصليّ(2)". إلاّ أنّ هذا الحكم، وهابرماز محقّ في ذلك، يمكن بشيء من التحفّظ أن ينطبق أيضا على ياسبرس ذاته. أمّا القول بأن المضمون الحقيقيّ لفلسفة ما يعكس ذهنية الفيلسوف وحياته، فهذا من شأنه أن يُهمل فكرة الاستقلال الذاتيّ للنظرية، إضافة إلى نسيانه تاريخ تأثيراتها اللاحقة. هذه هي حالة هايدغر لأنّ أعماله، حسب هابرماز، قد انفصلت منذ زمان عن شخصيته، وهو أمر معاين من خلال تأثيره في الفلسفة المعاصرة(3).
فعلا، أعمال هايدغر، وعلى رأسها "الوجود والزمان"، لها مكانة رفيعة في الفكر الفلسفيّ للقرن الحالي، بحيث أنّه من الخطأ افتراض أنّ محتوى ذاك الكتاب يمكن أن يَفقد إشعاعه من خلال تقييم التزامه الفاشستي.
مع الوجود والزمان، فرض هايدغر نفسه على الساحة الثقافية كفيلسوف ذي مكانة عالية، وإلى يومنا هذا فإنّه يُمثّل نقطة انعطاف كبرى في الفلسفة الألمانية منذ عصر هيجل. ولقد اعتبره كذلك البعض من زملائه، حتى أولئك البعيدون عن توجّهه الفكريّ، مثل غيورغ ميش (Georg Misch)، الذين صُدموا بذاك النفس الطويل وقوّة التفكير لذاك الفيلسوف الذي اقتدر على شقّ طريق جديد في التفلسف. والدليل على ذلك، أنّ نهجه في نقد الميتافيزيقا ومعارضته فكرة التعالي، أثّرا تأثيرا حاسما ومستمرّا في الجامعات الألمانية وامتدّ حتى الستينات من القرن الماضي.
لكن الأهمّ من هذا هو التأثير الذي أحدثه فكر هايدغر في العديد من المفكرين المستقلّين، الذين استمدّوا من فكره بعض العناصر وفعّلوها في إنتاجاتهم الفلسفية. وبهذه الصيغة، فإن هايدغر الشابّ، في مرحلة أولى أثّر في الأنثربولوجيا الفنومينولوجية لسارتر ومرلوبنتي، نفس الشيء حدث في ألمانيا مثلا مع التأويلية الفلسفية لغادامير (Gadamer).
ولا يُخفي هابرماز تأثّره هو نفسه وجيله من أمثال كارل أوتو آبل (K. Otto Apel)، ميشائيل ثيونيتس (M. Theonitz)، وإرنست ثوغندات (E. Thugendhat) بفكر هايدغر وبأطروحاته: "الدراسة العميقة لمؤلّفات هايدغر الأولى، تركت آثارها في كتاباتي أنا أيضا وصولا إلى كتاب " المعرفة والمصلحة" (1968) (4)".
أمّا نقد هايدغر للعقل، فقد وقع استقباله بحماسة فائقة في فرنسا وأمريكا وأصبح مكوّنا أساسيا في فلسفة دريدا (Derrida) وريتشارد رورتي (R. Rorty)، وهوبرت درايفوس (H. Dreyfus).
هذا الأمر معروف وداخل في تاريخ الفلسفة الحديثة، إلاّ أنّ الإشكالية الأكثر إثارة للجدل هي التالية: هابرماز يعترف بأنّ "التصرّف السياسيّ المخلّ، لمُفكّر ما، يُمكن أن ينعكس سلبيا على إنتاجاته الفكرية(5)ٌ". وإذا ما طبّقنا هذه القاعدة على فكر هايدغر فإنّ كلّ أعماله ستفقد، في نهاية المطاف، من حصانتها ونزاهتها النظرية. لكنّ هابرماز لا يصل إلى هذا الحدّ، بل إنّه يَستثني أعمال الشباب وبالأخصّ منها، وهذا هو الذي يهمّنا الآن، نصّا واحدا ألا وهو الوجود والزمان.
فعلا، حسب رأيه، "فكر الوجود والزمان، له مكانة عالية في الفكر الفلسفي لقرننا الحالي بحيث أنه من الإجحاف افتراض، بعد مرور أكثر من خمسين سنة، أنّ جوهر ذاك العمل يمكن أن يفقد من قيمته جراء تقييمات سياسية بشأن التزام هايدغر بالفاشية(6)".
بهذه العملية الوقائية الأولية فإنّ هابرماز أخرج الوجود والزمان من أيّ همّ سياسيّ إيديولوجيّ، وحوّل وجهة نظره إلى قضايا تمسّ تصرفات هايدغر المتأخّرة وبالأخصّ منها مواقفه غير المشرّفة للفلسفة وانجذابه نحو الدكتاتورية النازية، ثمّ طريقته الفجّة في نكران الحقائق وتزويرها.
ومن جهة أخرى، يؤكد هابرماز أنّ هناك أهمية كبرى في إثارة الماضي السياسيّ لهايدغر، وذلك لسببين: أوّلهما هو الموقف الذي اتخذه، بعد الحرب، من الأحداث الماضية، وهو مثال لذاك التوجّه الذي حكم تاريخ ألمانيا الفدرالية، (النص كتبه هابرماز سنة 1989، أي قبيل توحيد ألمانيا)، والذي نجده الآن في محاولات بعض المؤرخين الجدد لإعادة كتابة تاريخ الرايخ الثالث (صراع المؤرخين «Historikerstreit»). وهو توجّه على كلّ حال، كان قد بدأه هايدغر عندما عمل على نكران الأحداث أو التقليل من شأنها أو حتى تزييفها.
ثانيهما: وهو أنّ هناك حاجة ماسّة الآن في ألمانيا إلى مقاربة نقدية لكلّ ذاك التراث الذي أدّى إلى العماء أمام بشاعة النظام النازيّ. وهذا ينطبق أساسا على فلسفة هايدغر التي استخدمت حتى الوسائل التعبيرية الخطابية المستعملة في إيديولوجيا عصرها. والأسئلة التي من المشروع طرحها على آثار الستالينية في عمل المثقفين يجب طرحها بإلحاح وبأكثر حزما على الفاشية.
ولا يُخفي هابرماز مخاطر عودة اللاعقل إلى حقل الفلسفة الألمانية التي أعيد استيرادها من فرنسا، كما أعرب عن ذلك مانفريد فرانك (M. Frank) حينما قال بأن " النظريات الفرنسية الجديدة تُتقبّل من طرف كثير من طلبتنا [الألمان] كما لو أنها رسالة خلاص «wie eine Heilsbotschaft aufgenommen» […] يبدو لي أنّ الشباب الألمان يعودون إلى النّهل بِنَهَمٍ، تحت تعلّة الانفتاح الفرنسي ـ العالميّ، من تراثهم اللاّعقلي، الذي انقطع التواصل معه بعد الرايخ الثالث(7)".
وفي عرضه لعناصر الفكر الصالحة عند هايدغر، يركّز هابرماز، كما فعل ذلك في كتابه الخطاب الفلسفي للحداثة، على العملية الاستكشافية الرائدة في الوجود والزمان، التي تتمثّل أساسا في تلك الخطوة الحازمة لتجاوز المقاربة الذاتوية للفلسفة. ورغم أنّه يمكننا تفسير ذاك التجاوز بالرجوع إلى الأزمة الداخلية التي نشأت فيها، إلاّ أنّ عمليته تلك، يقول هابرماز، لا يمكن الاستنقاص من أهمّيتها أو حتى استنفادها في ذاك السياق.
وكأنّي بهابرماز، حينما وضع الوجود والزمان، في مجال النظرية البحتة، قد قلّل من شأن أيّ عنصر إيديولوجي يمكن أن يذهب ضدّ قناعته تلك. لكنه، في بعض مواضع نصّه هذا، يعترف بتأثيرات خارجية محدودة؛ فعلا حتى في هذا العمل المركزي، نلاحظ انعكاس روح الزمن الذي كان يعمل تأثيره فيه. مثلا في نقده للثقافة البورجوازية، ومجتمع الكتلة المتمركز أساسا في نموذج الإنسان العادي، نكرة (الـ"هم")؛ إنّ التذمّر النُّخبويّ الاستعلائيّ هذا يربط هايدغر بتراث كامل من المثقفين الألمان النخبويّين في العشرينات. هذا علاوة على المعاني المتفرّدة التي يُضفيها على مفاهيم مثل القدر (Schicksal) والمصير (Geschick)؛ أضف إلى ذلك دأبه على تلك العدمية البطولية الرائجة في الأوساط اليمينية المتشبعة بإيديولوجيا الحرب (Kriegsideologie). كلّ هذه العناصر الإيديولوجية مجتمعة، تُلحِق هايدغر برموز الثورة المحافظة، من أمثال: اشبنغلر ويونغر وكارل شميت.
ماذا تبقّى إذن من النظرية البحت إن كانت هذه العناصر ذات الصبغة المحافظة ثاوية منذ البداية في فكر الوجود والزمان؟ لكي يجيب عن هذا الاعتراض يستشهد هابرماز بِنتائج بحوث أتّو بوغلر (Pöggler) التي خلصت إلى "أن هجوم هذه العناصر الإيديولوجية في وعي هايدغر كفيلسوف، بل حتى في أفكاره الفلسفية الأساسية، (تعود) تاريخيا، وبحقّ، فقط إلى سنة 1929، في وقت تفاقمت فيه الأزمة الاقتصادية (Weltwirtschaftkrise)، وبالأخصّ عند انهيار حكومة فايمار (überhaupt des Niedergangs der Weimar Republik) (8)".
لقد وضع هابرماز لنفسه، مرّة أخرى، خطوطا حمراء، وتفادى الذهاب بأطروحته إلى مداها الأقصى: وإذا أردنا أن نستعمل مصطلحات أرسطيّة نقول إنه حسب هابرماز الوجود والزمان ليس فيه بالقوّة أيّ همّ سياسي إيديولوجي لكنه بالفعل (استكماله) له استتباعات إيديولوجية سياسية خطيرة. هناك وجود بالفعل خرج من وجود ليس هو بالقوّة، إنه وجود مكتمل دون أن يسبقه شيء ما؛ أي بعبارة أخرى نوعا من الخلق من عدم (creatio ex nihilo). هذا خلف واضح، وكما سأبيّن لاحقا، يبدو أن فكرة هابرماز لا تعكس تماما الحالة التي هي عليها النص الهايدغاري، فضلا عن أن فيها نوعا من التغاضي على بعض المضامين التي تذهب ضدّ أطروحته.
يستشهد هابرماز بقولة لـغيتمان (Gethmann) يقول فيها إنّ "فلسفة الوجود والزمان لم تكن فعلا بمقدورها أن توفّر الاستعداد الكافي، لا لهايدغر ولا لمجموعة من زملائه وطلبته القريبين منه، امتلاك طاقة نقديّة ضدّ الفاشية(9)". ثم قولة أخرى لـفرانتزن (Franzen) الذي ذهب إلى أنّ "كثيرا ممّا قاله وكتبه هايدغر في سنة 1933/34، حتى وإن لم يكن بالضرورة كامنا في الوجود والزمان، يمكن على الأقلّ أن ينبع منه عفويّا". ذلك لأن الوجود والزمان، كما ذهب إلى ذلك فرانتزن، وأدرنو بتنظيره للتكوين الأساسي المستقرّ للدازاين، سدّ الطريق، منذ البداية، أمام المرور من التاريخانية إلى التاريخ الواقعي؛ ثمّ إن هايدغر، نظرا للمكانة الثانوية التي أضفاها على الوجود ـ معا، قد فشل في تأسيس حقل الاجتماع والتنظير للتواصل بين الذوات؛ أخيرا، بتأويله الحقيقة ككشف، تناسى هايدغر لحظة اللامشروطيّة في صلوحية الحقيقة المتعالية عن المعايير المحلية.
أطروحة هابرماز الأساسية والتي كما رأينا أعلاه، تصبّ في نفس تحليلات بوغلر ومفادها أنه "فقط منذ سنة 1929، بدأ يحدث تغيّر عند هايدغر من النظرية إلى الإيديولوجيا. منذ تلك الفترة فصاعدا أخذت تتسرّب، في قلب فلسفته ذاتها، عناصر من تحليل لعصره مشوَّش ذي منحى محافظ جديد (jungkonservativen) (10)".
لا أريد أن أتابع تحاليل هابرماز للعناصر المحافظة من خطابات هايدغر بعد سنة 1929، التي هي معروفة عند كلّ من اطّلع على تاريخ فكر هايدغر، وقد تبحّر فيها العديد من الاختصاصيين. لكن السؤال الملحّ والحاسم هنا هو الآتي: هل أخذ فكر هايدغر فعلا منعرجا محافظا رجعيا فقد منذ سنة 1929؟ وهل يمكن اعتبار الوجود والزمان كتابا خاليا بالفعل من أي همّ إيديولوجي سياسي؟
ليس من السهل الإجابة عن هذه الأسئلة ولا يمكن استنفاد كلّ الإشكالات التي تطرحها، لكن من الأكيد أنه لو ثبتت الشكوك من أنّ فكر هايدغر كان يحمل فعلا ذاك التوجّه حتى في الوجود والزمان، لوجدنا أنفسنا حقا أمام كارثة في ميدان الفكر، لا يمكن تخيّل حجمها، ولإنعكست سلبيّاتها حتى على فلسفة هابرماز ومنها إلى جمع غفير من المفكرين العرب المتشبثين بمقولاته. الفيلسوف، ومؤرخ الفلسفة على وجه الخصوص، يَبغي الموضوعية العلمية ويطلب الحقيقة لذاتها، دون أن يُعير أية أهمية للأهواء والميولات الشخصية: ليس هناك مساومة أو تراخٍ في قول الحقيقة.
وعلى هذا الأساس فإن كثيرا من المؤرخين قدّموا اعتراضات صائبة وشكوكا متينة ضدّ أطروحة هابرماز (بوغلر) وطريقة توقيته للمنعرج الرجعي لفكر هايدغر. لقد بيّنوا أن ذاك المنحى الإيديولوجي كامن منذ البداية في فكره ولازمه طوال حياته، أمّا الوجود والزمان نفسه، فلا يتموقع تماما داخل إطار النظرية البحتة، بل هو مخترق في الصميم بعناصر سياسية ومواقف إيديولوجية رجعية.
هذا مثلا هو رأي لوسوردو (Losurdo) وكاتب هذه السطور يتفق معه في أنّ هذا النوع من القراءة، الذي سمح لهابرماز بِمَوضَعَة الوجود والزمان على أرضية النظرية البحتة، غير مُقنع (non risulta persuasivo) (11). فعلا هناك خطر السقوط في اختزال المسألة إلى عامل اقتصاديّ بحت حينما تقام علاقة وطيدة بين الأزمة الاقتصادية والمنعرج المحافظ أو الرجعي لهايدغر. وللبرهنة على شكوكه تلك يورد لوسوردو مقطعا من درس لهايدغر ألقاه سنة 1929 ـ 1930، فيه نقد عنيف لطريقة حياة الرفاهة البعيد عن مجابهة المخاطر. وهذه أفكار ذات صلة وطيدة بإيديولوجيها الحرب التي وسمت كلّ التيارات الرجعية اليمينية؛ ليست أسباب اقتصادية بل قناعات إيديولوجية بحتة، نابعة من نظرة حربية للوجود هي المحرّكة لتفكيره. وهايدغر يلمّح إلى ذلك بصريح العبارة حينما يقول بأن حياة الرفاهة والسلم ما زالت متواصلة رغم "ذاك الحدث العظيم، كالحرب العالمية الأولى(12). وحتى الدروس اللاحقة لا تحيد عن هذا المسار، فهي تواصل في اتهامها العصر الحاضر بأنه أصمّ أمام "الصوت المرعب للحرب العالمية [الأولى]" والذي كشف أخيرا "موت الإله الأخلاقيّ"، أي الإله المسيحي الذي نادت به كلّ الأطراف المتحاربة. لكنّ موت المسيحية هذا يعني أساسا موت بدائلها: الديمقراطية، الدعوة للسلم، الاشتراكية والسعادة الدنيوية للجميع.
لوسوردو يقول بأنّ هذه القيم نابعة أصلا من إيديولوجيا الحرب وتصبّ في مصبّ التيار اليميني الرجعي: لأنّ ما تنزع إليه الحداثة، بالنسبة لهايدغر، هي أشياء سلبية، أعني إرادة حذف الخطر من الوجود، واتّقاء المغامرة وتجنّب الصراع ثمّ الرّكون إلى الأمان والسلم. وقد هيّأ الأرضية المناسبة لإرساء هذه "القيم"، الإنسان المسيحيّ المدفوع بـ"روح الثقة في الخلاص (Heilsicherkheit). ولذلك فإنه من الممكن تأويل ظواهر متفرّدة من العصر الحالي كـ"عَلمَنة" للمسيحية(13). وبالتالي فإنّ الكنيسة وتعاليمها، حسب هايدغر، هما جزء من ذاك العالم المُصاب بداء الأمان الذي أثبت خواءه وتهافته مع الحرب العالمية الأولى. إذن "مرّة أخرى، يَظهر بوضوح التواصل مع إيديولوجيا الحرب، وهذا أمر يدعو للدهشة لو أنها انتظرت سنة 1929 لكي تحدث تأثيرها في هايدغر(14).
إنه نقد رصين ثابت ومُدعّم بشواهد نصيّة دامغة؛ حقيقة شيء يُثلج الصدر ولكنه في نفس الوقت يترك شيئا من المرارة في نفس القارئ، وربما نوعا من الإحباط في نفس الهايدغيري الواعي بتلك المعضلات ولكنه ما زال متشبّثا بأطروحة أن الوجود والزمان متعالٍ تماما على أيّ همّ إيديولوجي سياسي ويسبح في بحر النظرية الخالصة.
قد يكون العنصر الإيديولوجي، في أيّ تنظير ما، أمرا لا مناص منه؛ وقد نسلّم بأن العوامل الخارجية والظروف الحياتية لها وقع على الإنتاج الفكري (رغم أنها ليست القاعدة ولا النهج الصحيح: لأنّ الموضوعية هي فضيلة العالم، والفيلسوف المتملّص من إيديولوجيته أفضل من ذاك الذي يتشبّث بقناعاته إلى درجة أنها تشرّط كلّ أعماله). لكن هناك تفاضل بين الإيديولوجيات وهناك أيضا هرمية تخضع لها القناعات الشخصية والقيم: هناك إيديولوجيا الغلبة والقهر والتسلّط والانغلاق والاستعلاء ورفض الآخر، إيديولوجيا تدعو للصراع والحرب ولمحق الأضعف، وهناك الإيديولوجيا النقيض منها، أعني إيديولوجيا الأخوّة والمساواة والتواصل والسلم والانفتاح وقبول الآخر؛ إيديولوجيا تنبذ القهر والاستغلال وتُدين العنف والحرب. ومن المؤسف أن تكون الإيديولوجيا الأولى هي المهيمنة في تفكير هايدغر، أقول من المؤسف، لأنّ كاتب هذه السطور لا يَكنّ مبدئيّا أية ضغينة لذاك الرجل، وهو لا يعرفه شخصيا إلاّ من خلال مؤلفاته وكتبه وسيرة حياته. لكن المصاعب الكبرى تبدأ حينما نزن بميزان العقل والقيم الإنسانية الشاملة، توجّهه الفكريّ ومضامينه الإيديولوجية والرسالة التي يمكن أن تؤدّيها الآن للمثقفين في كلّ أرجاء العالم.
وهابرماز يُلمّح عابرا إلى "الصفة المتفرّدة"، الناشزة، لمقولتي القدر (Schicksal) والمصير (Geschick)، لكن، في حقيقة الأمر، الوجود والزمان، لا يتضمّن فقط هذين العبارتين اليتيمتين بل إنه يرتكز على أرضية إيديولوجية خطيرة، مثل استخدامه المكثف لترسانة المصطلحات المُكوّنة لإيديولوجيا الحرب من قبيل: "مجموعة"، "أمانة، عهد"، "قدر". والدليل على ذلك أيضا أنّ الرجل، لكي يؤكد مثلا وحدة المصير يستخدم في الوجود والزمان، مصطلح (Geschick) الذي تكون "المصائر الشخصية" في إطاره "محتومة مسبقا". وعلى هذا الأساس نفهم جيّدا تلك الشحنة العاطفية التي تركّز على "الأمانة لما يجب تكراره (Treue zum Wiederholbaren)"(15)؛ أمانة تخصّ الوجود الأصيل فحسب، أما غير الأصيل فهو يبحث فقط عن الأشياء الحديثة(16). وتحليل الوجود غير الأصيل يُفضي في نهاية المطاف هو أيضا إلى نقد الحداثة، رغم أنّ الوجود والزمان، يدّعي غربته عن التصوّر الأخلاقوي "لفلسفة الثقافة (Kulturphilosophie) (17). وكما في أيّ إيديولوجيا حربية، مفهوم القدر يُحيل دائما إلى المجموعة الخاصة، الشعب (العِرق في مصطلحات النازية وفي مصطلحات هايدغر أيضا).
في الفقرة 74 التي كانت قد استرعت انتباه لوفيث، يقول هايدغر "بما أن الدازاين (الموجود هناك) مُحمّلٌ قدرا، نظرا لكونه موجود ـ في ـ العالم، فهو دائما وبالذات وجود ـ مع ـ الآخرين، تاريخيته هي تاريخية ـ مع، وهي تتكوّن كمصير مشترك. بهذا المصطلح نعني تاريخانيّة المجموعة، الشعب (Volk) (18).
إنه كلام ذو صبغة قومية واضحة حتى وإن واراه صاحبه خلف طلسمات لغوية، لا بل إن البعض اعتبره يصبّ في مجال الايديولوجيا العنصرية الإقصائية، ولا يحتاج إلى أيّ عناء تأويلي لإدراك معناه. يجب الإشارة فقط إلى أن المجموعة المَعنيّة هنا (Gemeinschaft) هي في الطرف النقيض للمجتمع (Gesellschaft)، لأن المجتمع الحديث ككتلة غير متميّزة تخنق الفرد وتسحق شخصيته، وبالتالي فإن "المصير العام (Geschick)، ليس هو مجموع المصائر الفردية (Schicksal)، وبالمثل فالوجود ـ معا لا يمكن أن يكون مجموع الذوات الفردية. في الوجود ـ معا في نفس العالم وفي التقرير لنفس الإمكانية، المصائر محتومة مسبّقا. فقط في التواصل وفي الصراع (im Kampf)، تصبح متحرّرة قوّة القدر المشترك. إنّ قدر الدازاين الذي يجمعه بـ"جيله" وفي "جيله" يعبّر عن التاريخية الكاملة والأصيلة للدازاين(19). مرّة أخرى نحن هنا بحضرة مصطلحات نابعة من نفس تلك الإيديولوجيا المتجذرة في الفكر اليَميني الرجعي المناهض للحداثة ولفكرة المجتمع الديمقراطي المنفتح. المجتمع الذي يُنظّر إليه الفكر الرجعي ينبغي أن يكون مجموعة عضوية، ذات تاريخ مشترك ومعتقد واحد ومصير موحّد، بحيث أنها تتنافى بشدّة وفكرة الكتلة الاشتراكية المُسَاواتية، والدولة الحاضنة للجميع دون تمييز عرقي أو ديني.
كيف يمكن إرساء دعائم تلك المجموعة الجديدة؟ وما هي الشروط الموضوعية التي يجب تفعيلها لتحقيق تلك اللّحمة؟ ليس العلم ولا المعرفة ولا الأخوّة ونبذ الصراع، أو التوزيع العادل للثروات، بل هي الحرب والزمالة في الجبهة والتصدّي للمخاطر الحقيقية والمفتعلة. هذه هي الشروط التي ارتآها هايدغر لإنشاء مجموعة قومية عضوية وأصيلة: الموت والشجاعة في مجابهة المخاطر هي ما يُميّز الشخص المتجذّر في مجموعته. والغريب في الأمر أنّ كلّ هذا الهوس القوميّ الحربيّ جاء حرفيا في الوجود والزمان، الذي عمد هابرماز وفلاسفة آخرون إلى إقصائه، كليا أو جزئيا، من حلبة الفكر الإيديولوجي. لكن يكفي التمعّن في الشروط المكوّنة للمجموعة الأصيلة حتى نتيقّن من أنّ العوامل الإيديولوجية ثابتة في عمله هذا: "مِن الوجود الذاتي الأصيل في القرار، ينبثق الوجود ـ معا الأصيل: ليس إذن من الوئام الملتبس الغائر والأخوّة المهذارة في الـ"هم"، وفي انجازاته(20). ونحن نعلم أن رذيلة الإنسان العادي المسالم (الـ"هم") تكمن ـ حسب مفارقات هايدغر ـ في "عدم امتلاكه شجاعة الرّهبة أمام الموت(21)، أمّا الوجود الأصيل (Eigentlich) فهو يتميّز على نقيضه بشجاعته وبإقدامه على مجابهة الموت جهرا، وهو الشرط الأوّلي لتأسيس ما يدعوه هايدغر "الكون ـ معا الأصيل (Eigentliches Miteinander) (22).
إذا أخذنا بعين الاعتبار كلّ هذه المعطيات، فإن النتيجة التي يستخلصها لوسوردو صائبة: "لا معنى للتحدّث عن منعرج إيديولوجي ذي منحى "محافظ جديد" لسنة 1929، والدليل على ذلك أن هابرماز نفسه يعترف بالاستتباعات السياسية العميقة، ودائما ذات المنحى المحافظ أو الرجعي، في تحليل الحياة الغير أصيلة للـ"هم" في الوجود والزمان(23)".
لا أودّ أن أكون قاسيا على هابرماز، وأرى أنّ الرجل كان عن حسن نيّة، وقد تكون عباراته التي يقول فيها بأنه ينبغي التريّث في إصدار الأحكام الأخلاقية بخصوص التزامات هايدغر السياسية، لأننا كخلف لا نستطيع أن نعرف كيف كنّا سنتصرّف في ظروف دكتاتورية سياسية مماثلة، هي تحذير سليم وحصيف. وإيمانا منّي بأنّ فلسفة هابرماز التواصلية، من حيث أهدافها ونتائجها، هي في الطرف النقيض من فلسفة هايدغر، فإنّي لا أشك في نزاهة الرجل. ويجب التذكير بأنّ هابرماز هو من بين المفكرين الألمان الأوائل الذين نبّهوا إلى المخاطر الثاوية في فكر هايدغر، رغم أنّ التيار السائد آنذاك في فرنسا وفي الساحة الثقافية الفرنكوفونية سائر في نهج التبرير والمنافحة اليائسة. وفي نفس تلك المقدمة لترجمة كتاب فارياس "هايدغر والنازية"، وبعد أن استعرض الطريقة الفجّة التي دلّس بها هايدغر الأحداث، يُعيد هابرماز استذكار ردّة فعله على نصّ المدخل إلى الميتافيزيقا الذي أعاد نشره هايدغر بحرفيته سنة 1953: "في ذاك الوقت كنتُ طالبا وكنتُ مفتونا بـالوجود والزمان إلى درجة أنني أُصبتُ بالذهول حينما اطّلعتُ على تلك الدروس المخترقة بالفاشية حتى في دقائق أسلوبها. هذا الانطباع عبّرتُ عنه في مقال لي صدر بجريدة (Frankfurter allgemeine Zeitung)، وفي ذاك المقال ذكرتُ تلك الجملة حول "الحقيقة التامة وعظمة الحركة [النازية]". ما شدّ انتباهي هو أنه في سنة 1953، نشر هايدغر، دون تفسير، دروس سنة 1935 والتي بقيت على حالها. التصدير ذاته لا يحتوي ولو على جملة واحدة تتناول ما حدث. لقد وجّهتُ بشأنها إلى هايدغر السؤال التالي "هل من الممكن أن نفهم، على مستوى تاريخ الوجود، القتل المنظّم لملايين من الناس الذي نعلمه اليوم، باعتباره خطأ محتوما؟ أليست هي الجريمة الفعلية لأولئك الذين قاموا بها بكلّ مسؤولية ـ والضمير القبيح لشعب بأكمله؟"(24).
يقول هابرماز بأن هايدغر لم يُجب عن سؤاله، بل تكفّل بإجابته أحد أتباعه وهو كريستيان لوفالتار (C. Lewalter) في جريدة الزمن (Die Zeit، 13 August 1953). النصّ، حسب لوفالتر (Lewalter)، هو وثيقة تبيّن أن هايدغر كان قد تصوّر، منذ ذلك الحين، نظام هتلر ليس على أنه مؤشّر لخلاص جديد، بل على أنه عرض [مرضي] آخر من أعراض السقوط في هاوية تاريخ الميتافيزيقا. وكما يؤكد هابرماز، فإن لوفالتر لكي يقدّم تأويله هذا، اعتمد على جملة أضافها هايدغر على النصّ، بين قوسين، تصف الحركة النازية بأنها "(الالتقاء بين التقنية، على سلّم كوني، والإنسان الغربي)". وقد أوّلها لوفالتر على النحو التالي: "هذه الحركة القومية الاشتراكية هي عرض [مرضيّ] للارتطام المأساوي بين التقنية والإنسان، وبعَرَضٍ كهذا فإنّ لها "عظمة" لأنّ أثرها يمتدّ ليشمل الغرب، وقد تؤدّي إلى الانهيار(25)".
إنه تأويل خياليّ، بل مُناف لمبدإ التأويل الفلسفي أصلا، لكن هايدغر، كما يُعلمنا هابرماز، قد صادَق على ذاك التأويل في رسالة بعث بها إلى نفس الجريدة قائلا: "التأويل الذي قدّمه كريستيان لوفالتر للجملة من درس [1935] هو تأويل في محلّه بكل الوجوه … كان من السّهل فسخ تلك الجملة المُضافة، مع الجُمل الأخرى التي ذكرتموها، مِن الطبعة الجديدة؛ لم أفعل ذلك ولن أفعله في المستقبل، لأنه، من جهة، تلك الجُمَل هي تاريخيا جزء لا يتجزأ من الدروس، ومن جهة أخرى، أنا متيقّن أنّ الدّرس، بالنسبة لأيّ قارئ تعلّم فنّ التفكير، منسجم بالكامل مع الجُمَلِ المذكورة(26)".
هذه الأقوال لا تصدمنا كثيرا، لأنّ المتابعين لفكر هايدغر تعوّدوا على ضرباته المتقلّبة وطرقه الناشزة في الإجابة عن الاعتراضات والنقد: فهو إما أن يُرجِع الاعتراضات على خصومه، أو يتهمهم بعدم فهم حقيقة فلسفته، أو يصرّ على أن سبيله هو الأقوم. إلاّ أن صدمتنا، مع ذلك، تبقى كما هي إزاء كيفية مكوث هابرماز على قناعته من أن الوجود والزمان يعلو على الهمّ الإيديولوجي السياسي ومنغرس فقط في عالم النظرية البحت. هذه القناعة، كما بيّنت من خلال اعتراضات لوسوردو، بدأت تتفكك شيئا فشيئا، وأمعن في تفكيكها أخيرا المفكّر الفرنسي إيمانويل فاي (Faye) في كتابه "هايدغر، إدخال النازية في الفلسفة"(27).
لقد شدّت انتباهه، كما حدث للفيلسوف الإيطالي لوسوردو، أطروحات هابرماز إزاء الجانب النظري من الوجود والزمان والتجديد الفلسفي الذي أدخله هايدغر من خلال عمله هذا. لكن إذا غُصنا في النص بجدّية، فإننا سنتفطّن إلى غياب أيّ بعد تجديديّ إيجابيّ، وربّما أدركنا هزالة الأطر النظرية التي أشاد بها هابرماز. المحور الحامل للوجود والزمان، حسب فاي، هو نفي أيّ فكرة للكلّيّ، وللذات الفردية، ولذلك فإنّنا نفهم لِمَ اتّخذ صاحبنا كهدف مبدئيّ لضرباته فلسفة ديكارت خاصة والفلسفات الكلية عموما. هايدغر يستبعد بقوة كلّ محاولة لمقاربة الموجود بالاعتماد على فهم الثقافات الأكثر غرابة (fremdesten Kulturen) "الثقافات المغايرة"، والبحث عن أرضية كونية للوجود الإنساني. فمحاولات من هذا القبيل تؤول إلى جعل الوجود غريبا عن ذاته، وإلى فقدان الأرضية. الملفت للنظر أنّ هاتين العبارتين تعودان باستمرار في كتاب الوجود والزمان وغنيّ عن القول بأنّهما تنبعان من صلب الثقافة الرجعية.
الفقرة 74 كما رأينا أعلاه، اعتبرها فاي، ذروة تحليلات هايدغر لمفهوم التاريخانية، وبالتالي للمؤلَّف ذاته، نظرا إلى أن كل الكتاب يصبّ في إشكالية التاريخانية، إلاّ أنه، على تحليلات لوسوردو، فإنّ فاي، دون أن يخشى الاعتراضات والنكران من طرف الهايدغاريين في بلده، أضاف بأن المفاهيم الحاملة لتعاليم النازية هي حاضرة منذ هذه اللحظة في الوجود والزمان، بل أكثر من ذلك حتى العناصر البيولوجية العرقية مشار إليها بالرجوع إلى فكرة النشأة، وهي فكرة مستمدة من ديلثاي ولها معنى بيولوجي واجتماعي، علاوة على أنها لعبت دورا محوريا في تنظيرات فلاسفة الرايخ الثالث.
إن في إرادة هايدغر تحطيم فكرة الأنا لفسح المجال إلى "التفرّد الأكثر راديكالية (radikalsten Individuation)"، كما جاء في الفقرة 7، والذي يتحقق فقط في صلب مجموعة الشعب «تكمن حقيقة مشروع الوجود والزمان(28)".
والغريب في الأمر أنّ المشروع المعلن عنه في برنامج الوجود والزمان بتحطيم الأنطولوجيا الديكارتية، لم يُنشر في حياته، وربما لم يُكتب أبدا. الإشكالية إذن، هي كيف يمكن لمشروع لم يتحقّق اطلاقا، وربما بقي مجرّد أمنية غائمة، أن يغدو عند هابرماز، حقيقة يقينية. إيمانويل فاي، يستغرب بحقّ كيف أنّ القوّة الإيحائية لخَطابة هايدغر تبدو وكأن مجرّد مفعول الإعلان أصبح كافيا لكي يجعل من هذا المشروع غير المُحقّق، عند كثير من المفكّرين، كسبا نهائيا(29). المفكر المستهدف هنا هو هابرماز والذي ذكره فاي صراحة حينما أثنى على الوجود والزمان لأنه، حسب هابرماز، حقق "خطوة محدِّدة في سبيل الاستدلال الذي يمكّن من تجاوز فلسفة الوعي"، لكن قد غاب عن هابرماز أنه لا يوجد في كامل ذاك العمل أيّ تحليل فلسفيّ نقديّ مكتمل للميتافيزيقا الديكارتية. الأخطر من ذلك هو أنّ هابرماز لم يتفطّن إلى أيّ نوع من المجموعة (Gemeinschaft) يجرّ هايدغر قرّاءه منذ تلك الفترة.
النتيجة هي أنّ هابرماز، كما يقول فاي، أخطأ خطأ فادحا في التقييم، ففي الوقت الذي كان فيه "نبيها وصارما إزاء هايدغر سنة 1953، هابرماز يتنازل كثيرا لهايدغر ما قبل 1929".
أرى أنّ فاي لا يمكن محاججته بالنصوص، وحكمه هذا على قسوته، يبدو في نهاية المطاف صائبا. إذا تتبّعنا الفقرات التي حاول فيها هايدغر مناقشة الديكارتية (19 ـ 21) فسنرى أنه يركز على الجوهر الممتدّ وليس على الجوهر المفكّر، وتلك المناقشة معروضة من طرفه، دون عمق نظريّ، وكمجرد مقدّمة ظرفية. في الحقيقة، يضيف فاي، هايدغر ليس لديه دحض فلسفيّ متين ضدّ الأنا الديكارتي، ولذلك فإنّ تحطيم الأنا الإنسانيّ لإحلال المجموعة القومية المنغلقة، ليست في نواياه ولا في تمشّيه «عملا فلسفيا بحتا، بل مشروعا سياسيا، يندرج في أسس القومية الاشتراكية ذاتها(30)".
الهوامش:
(1)HABERMAS, Heidegger – Werk und Weltanschauung, Vorwort von, Victor Farias, Heidegger und Nationalsozialismus, Fischer Verlag, Frankfurt am Main, 1989. p. 12. " Aber als Nachgeborene, die nicht wissen können, wie sie sich unter Bedingungen der politischen Diktatur verhalten hätten, tun wir gut daran, uns in der moralischen Bewertung von Handlungen und Unterlassungen während der Nazi-Zeit zurückzuhalten".
(2) J. HABERMAS, ibid.
(3) "Heideggers Werk hat sich aber längst von seiner Person gelöst". Ibidem.
(4) J. HABERMAS, ibid, p. 14, n. 12.
(5) " Das fragwürdige politische Verhalten eines Autors wirft auf sein Werk gewiß einen Schatten". Ibid, p. 14.
(6) J. HABERMAS, ibidem." Aber das heideggersche Werk, vor allem Sein und Zeit, hat einen so eminenten Stellenwert im philosophischen Denken unseres Jahrhunderts, daß die Vermutung abwegig ist, die Substanz dieses Werkes könne durch politische Bewertungen von Heideggers faschistischem Engagement mehr als fünf Jahrzehnte danach diskreditiert werden".
(7) M. FRANK, Philosophie heute und jetzt, in: Frankfurter Rundschau, 5. März 1988, in J. HABERMAS, ibid, p. 15.
(8) J. HABERMAS, Heidegger – Werk und Weltanschauung, op. cit, p. 17.
(9) Ibidem.
(10) Ibidem.
(11) D. LOSURDO, La comunità, la morte, l’Occidente. Heidegger e l’ideologia della guerra. Bollati Boringhieri, Torino 1991, ristampa 2001, pp. 46-47.
(12) M. HEIDEGGER, Die Grundbegriffe der Metaphysik. Welt – Endlichkeit – Einsamkeit. Freiburger Vorlesung Wintersemester 1929/30. Vittorio Klostermann. Frankfurt am Main 1983. pp. 255-56. " Wir müssen erst wieder rufen nach dem, der unserem Dasein einen Schrecken einzujagen vermag. Denn wie steht es mit unserem Dasein, wenn ein solches Ereignis wie der Weltkrieg im wesentlichen spurlos an uns vorübergegangen ist?".
(13) M. HEIDEGGER, Nietzsche, Verlag Günther Neske, Pfüllingen, 1961 (trad. it, Nietzsche, a cura di Franco Volpi, Adelphi, Milano 1994, p. 655 )
(14) D. LOSURDO, La comunità, la morte…, op. cit, p. 46.
(15)M. HEIDEGGER, Sein und Zeit, Max Niemeyer Verlag, Tübingen, 18. Aufl., 2001, § 74, p. 385, und § 75, p 391 " Die Entschlossenheit konstituiert die Treue der Existenz zum eigenen Selbst. Als angstbereite Entschlossenheit ist die Treue zugleich mögliche Ehrfrucht vor der einzigen Autorität, die ein freies Existieren haben kann, vor den wiederholbaren Möglichkeiten der Existenz".
(16) Ibidem, " Die uneigentlich geschichtliche Existenz dagegen sucht, beladen mit der ihr selbst unkenntlich gewordenen Hinterlassenschaft der »Vergangenheit«, das Moderne".
(17) Ibid, § 34, p. 167.
(18) M. HEIDEGGER, ibid, § 74, p. 384. " Wenn aber das schicksalhafte Dasein als In-der-Welt-sein wesenhaft im Mitsein, it Anderen existiert, ist sein Geschehen ein Mitgeschehen und bestimmt als Geschick. Damit Geschick bezeichnen wir das Geschehen der Gemeinschaft, des Volkes".
(19) M. HEIDEGGER, Sein und Zeit, op., cit., § 74, pp. 384-85..
(20) M. HEIDEGGER, Sein und Zeit, op., cit., § 60, p. 298.
(21) Ibid, § 51, p. 254."Das Man läßt den Mut zur Angst vor dem Tode nicht aufkommen".
(22) Ibid, § 74.
(23) D. LOSURDO, La comunità, la morte…, op. cit, p. 49.
(24) J. HABERMAS, Heidegger – Werk und Weltanschauung, op. cit, p. 30.
(25) Ibid, p. 31.
(26) Ibidem.
(27) E. FAYE, Heidegger, l’introduction du nazisme dans la philosophie, Paris, Albin Michel, 2005.
(28) E. FAYE, Heidegger, l’introduction…, op. cit, p. 32.
(29) Ibid, p. 33.
(30) E. FAYE, ibidem, “La destruction de l’individu et du moi humain pour laisser place à la communauté de destin du peuple n’est, ni dans son intention ni dans sa démarche, une entreprise purement philosophique, mais un projet “politique” ; qui s’inscrit dans les fondements mêmes du national-socialisme, avec sa doctrine de la Volksgemeinschaft”

ي نقد فلسفة هايدغر (3/2)


1 ـ تحديات دريدا:
أودّ أن أبدأ مقالي هذا بملاحظ قيّمة لفولتير، ربّما تمثل هديّة لأتباع هايدغر ضد معارضيه ونقاده. يقول فولتير، مؤنبا أحد معاصريه الذي كتب مقالا تهجّم فيه بشدّة على الفيلسوف الروماني شيشرون، بأن هناك العديد من الكتاب لديهم ميل غريزي يدفعهم إلى مصارعة، ليس الأحكام الشعبية المسبقة، بل آراء الرجال المتنوّرين. ويبدو أن هؤلاء النقّاد يُفكّرون مثل يوليوس قيصر: "أفضّل أن أكون الأوّل في كوخ صغير على أن أكون الثاني في روما". النصيحة المعقولة التي يسديها فولتير وهي حسب رأيي صالحة للجميع، في عصره وفي عصرنا الحالي هي أنه « لكي يحوز المرء على شيء من المجد أسوة بالرجال المتنوّرين، يجب عليه إضافة حقائق جديدة على ما قدّموه؛ يجب إدراك ما غاب عنهم؛ والنظر أفضل وأبعد منهم». ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلاّ إذا توفرت في الشخص العبقرية المجبولة، ثم اجتهد في تهذيب وتمتين تلك العبقرية بالدراسة العميقة والمثابرة، وإثرها فقط يعمد إلى إنتاج أعمال إبداعية وتقديمها للجمهور ثم انتظار الشهرة. لكن، يلاحظ فولتير، على العكس من ذلك، حينما يعمد الباحث من أوّل وهلة إلى منازعة أفكار العظماء، فإنه متيقن من الحصول بثمن بخس على مجد أسرع وأكثر بَريقا(1).
هذه نصائح جيدة، وحصيفة، وعلى الباحث أن ينتهج نهج التدقيق والتمحيص، وأن يجعل من كبار المفكرين قدوته ونبراسه، مع تفادى السقوط في الأحكام الماقبلية. لكن نقطة حاسمة يجب الاصداع بها، وهو أن هناك شكوك جمّة في أن مَن انساق مع أبشع أنواع الديكتاتوريات، ومن روّج للعنصرية والعنف يمكن تصنيفه عن جدارة في زمرة كبار المفكرين، أو حتى إضفائه لقب "التنويري". ثم إن الرّهان الأكبر، على كلّ حال، بغض النظر عن النقاط التي عرّج عليها فولتير، ليس له علاقة بالمَجد ولا بالشهرة، ولا حتى بادّعاء العبقريّة وطَلبِها: المسألة تتلخص في إرادة الحقيقة، ومحاولة الكشف عن المجهول، وإظهار الوجه الحقيقي للأفكار بقدر الطاقة. ثم إن دخلت في إطار عملية الاستكشاف ضرورة محاورة الرأي النقيض أو مجابهة النقاد فلا بأس بها، على شرط أن يخضع هذا العمل إلى قواعد البحث العلمي النزيه. نحن نودّ بعملنا هذا أن ننزع هالة التقديس عن هايدغر وأن ندرس ونناقش ونقيّم بروح نقدية أعماله، وخصوصا عمله العمدة "الوجود والزمان"، دون تهجّم ودون عقدة نقص، أو انبهار مفرط.
لقد طرح جاك دريدا، في مقال له بعنوان "سكوت هايدغر"، على منتقديه (هايدغر) تحديا صريحا، طالبا منهم أن يخرجوا للعراء دون التواري وراء التزامات هايدغر السياسية. حيث يقول ـ ما معناه ـ إن كتاب "الوجود والزمان" مازال يشكو عدم القراءة وعدم الفهم أصلا، ومازالت، في ذاك المؤلّف مواضع غير واضحة ونقاط غامضة لم تُدرك جيدا، وأفكار لم تُفهم بعد. وعلى ناقدي هايدغر، بشأن التزامه السياسي، أن يَبدؤوا، أوّلا، بقراءة كُتبه وبالتمعّن فيها بروح إشكالية، وبعدم التسرّع في إصدار الأحكام، وتفادي أيّ إقصاء ماقبلي(2).
هذا كلام صائب ولا أحد يمكن أن ينازعه فيه، وأرى أن الهايدغاريين جميعا يصادقون على هذه الأطروحة من أنه علينا تجاوز النزعة الإقصائية الماقبلية وأن نبدأ أولا في الغوص في المسائل الفلسفية التي طرحها هايدغر والاعراض بجدّ عن الولوج في مماحكات إيديولوجية عقيمة. فالتعريج على المناطق المظلمة من توجهات هايدغر السياسية، ثم التركيز فقط على تصرفاته السلبية المحرجة، قد تؤدي بالمفكّر إلى الابتعاد عن جوهر المسألة الفلسفية، وربّما قد تفقده مصداقيّته الفكرية. هذا خلف واضح: إذا وضعنا أنفسنا في موقع علمي، لا جدالي، فإن اعتراضا من هذا القبيل فاقد للمعنى. لقد تكلّم هايدغر، كمُنظّر وفيلسوف أمام الناس أجمعين وعرض آراءه وقرأها عليهم راغبا من ورائها إقناعهم والتأثير فيهم. والمؤوِّل ينبغي عليه أن يَسردها كما هي لعامة القراء، مستشهدا بالنصوص وفاحصا فيها بعمق، متقيّدا بمحتواها الظاهر لا يحيد عنه. وما الحصافة في تورية كلام صريح؟ إن كانت سياسة الحصافة هي الأساس، كان على المتفوّه بذاك الكلام، أن يَتَحلّى بتلك الفضيلة قبل أن يُلقي بآرائه على مَسَامع الناس. أقوال هايدغر وتعاليمه لم تكن فلتات لسان عابرة، بل جاءت مُسطّرة في خطابات ومقالات وكُتب منشورة ومتداولة بين الناس. إذا أردنا أن نبرهن على أن مفكرا ما هو مفكر جدّي، أو عبقري أو مُجدّد، فإننا نأخذ من كلامه ما يُؤكد هذه الخصال ويدعّمها، وعلى العكس من ذلك إن أردنا البرهنة على أن هذا المفكر، هو غير جدي وتنقصه العبقرية، ولا جديد في كلامه، ومُوال لأبشع أنواع الدكتاتورية في العالم، فإننا نُحيل إلى خطاباته المؤيدة لرأينا. أتباع هايدغر لا يُغني عنهم شيء تشبّثهم بالظرف الراهن الذي عاش فيه وبالتيار العارم الذي جرف معه الجميع، لأننا يمكن أن نعثر على أشخاص لم يحوزوا شهرة مثلما حازها هو ولكنهم كانوا أكثر منه تحرّزا ونقدا للواقع السياسي والثقافي، وبالتالي فإن المهرب الأخير لأتباعه، أعني التركيز على الظروف الراهنة لتبرير انخراط هايدغر في إيديولوجيا النازية، هو مهرب أقبح من التبرير.
ولكن التحدّي الذي ألقاه دريدا (وجمع من الأتباع) على ناقدي هايدغر لا يمكن أن يمرّ علينا دون التمعّن فيه، أعني أن "الوجود والزمان" هو نص مازال يشكو عدم القراءة، وفيه أفكار لم يتم بعد استقصاءها بجدّية كافية.
كاتب هذه السطور يعترف بأن "الوجود والزمان" لم يستثر فيه أي نوع من الانبهار، ولم يجد فيه أفكارا فذة وفريدة من نوعها. بل إنه لم يستثر حتى معاصريه من المفكرين الجدّيين، على الرغم من أنه نزل في زمن سماه كارل لوفيث "فقير/ قحل (dürftiger Zeit)".
أتباع مدرسة الفينومينولوجيا غاضبون لأنه استخدم أدوات المنهج لكي يَرتدّ عليه ويهمشه؛ المفكرون العقلانيون أصابهم الاستياء من التهجمات ضد المنطق والعقلانية؛ أما الفلاسفة الإنجلوسكسونيون، فهم إما أنهم لم يعيروه أية أهمية، أو إن حدث وتصفحه أحدهم فإنه قد رأى فيه كارثة.
2 ـ الوجود والزمان: "تقدّم نحو الكارثة":
في مراجعة له على كتاب "الوجود والزمان"، قدّم الفيلسوف الإنجليزي جلبارت رايل (Gilbert Ryle) نقده بهذه الجملة القاسية. قال: « هذا عمل صعب ومُهمّ للغاية، ويرسم تقدّما كبيرا في تطبيق "منهج الفينومينولوجيا" ـ إلاّ أني أقولها منذ البداية يبدو لي أن هذا التقدّم هو ليس إلاّ تقدّما نحو الكارثة (an advance towards disaster)(3)».
فيما تتمثّل هذه الكارثة؟ ولِمَ هذا الموقف السلبي من كتاب صدر منذ عامين؟ بالنسبة لفيلسوف يعيش في إنجلترا، بعيدا عن المشاكل السياسية التي يشهدها المجتمع الألماني والثورات الدائرة آنذاك والمصاعب اليومية التي تجابهها حكومة فايمار، لا يمكن أن تكون إلاّ كارثة نظرية. فعلا بالنسبة لـرايل هناك نزعة واضحة في فلسفة هوسّرل وأتباعه نحو نوع من المثالية الذاتية أو حتى السولبسية (Subjective Idealism or even Solipsism). تلك النزعة ليست بالضرورة ناشئة من فكرة الفينومينولوجيا، التي هي جيّدة في حدّ ذاتها، بل فقط من تطوير قسمٍ من نظرية خاصة في المعنى، والتي قد تكون موروثا رديئا من فرضية لوك ـ برنتانو (Locke-Brentano) في وجود "مُثل" أو أفكار مجرّدة، وهي الكيانات الذهنية التي تتكون منها معرفتنا، بحث أن تلك الكيانات ليست هي بالموضوعات المعروفة، ولا هي عملياتنا المعرفية، بل مجرّد إدراكات بين الأولى والثانية(4).
بالنسبة لهايدغر الفينومينولوجيا هي تأويلية (هرمينوطيقا) تُعنى أساسا بتصرّفات الإنسان في حياته اليومية. ولتأدية هذا العمل فإنّ هايدغر اختار لنفسه المهمّة الوعرة لإحداث قاموس من المصطلحات الجديدة، التي لا تمتّ بصلة للمصطلحات التقنية الموروثة عن أفلاطون وأرسطو، بل معظمها مستعارة من كلمات وجمل يومية صبيانية (every day "nursery" words and phrases). ويفترض رايل بأن وراء رسم هذه المصطلحات الجديدة هناك اعتقاد عند هايدغر مفاده أن بعض الجُمَل والكلمات الصبيانية هي أكثر تحرّرا في التعبير عن المعاني الأولية من سفسطة الكلمات التقنية التي رسّختها الفلسفة طوال تاريخها. هذه الأطروحة، يقول رايل، خطيرة لأنّ في مصطلحات الفلسفة والعلم، وليس في لغة الريف وروضة الأطفال، استطاع الإنسان أن يتخلّص نوعا ما من سجن الاستعارة(5).
الاعتراضات التي قدّمها رايل على "الوجود والزمان" والنقد الموجّه لبعض الفصول منه، كلّها نابعة من هموم نظرية بحتة. الخلل الأوّل في تأويل الوجود من خلال هرمينوطيقا الدازاين، يكمُن في الادعاء بأنه من البديهي أن فَهمَ إنيّتي وأفعالي تعود بالأساس إلى معرفة ما أنا فاعله وما أصِيرُه. هذه النظرية، يقول رايل، هي نفسها التي نجدها عند برنتانو وهوسرل ومفادها أنّه في "الإدراك الذاتي المُحايث" لديّ منبع لبداهةِ ذاتيةِ الحكم، ولا يوجد مصدر بديل منه. كلّ درجة من درجات البداهة في أيّ حكم موجب أقوم به ينبغي أن يؤسَّس على البداهة الحدسية للإدراك الذاتي. لكن، في الوقت الذي ليس هناك اعتراض على أطروحة أنه بمقدوري أن أعرف تجاربي و"الأنا" الذي يملكها، هناك، على العكس من ذلك، شكوك حول الزعم بأنّ ذلك كلّ ما أقدر على معرفته، أو، إن استطعتُ أن أعرف شيئا آخر، لا يمكنني أن أعرفه إلاّ من خلال معرفتي أوّلا بتجاربي (my experiences) و"أناي" (my " I "). هذا الزّعم هو بعيد عن أن يكون بيّنا بذاته، بل يبدو لرايل شيء متناقض. على كلّ حال هذه الأطروحة مَبنيّة على نظريةِ معرفةٍ وعلى ميتافيزيقا مسبّقتين وبالتالي فإن فينومينولوجيا مؤسَّسة عليهما ليست بفينومينولوجيا خالية من أيّ فرضيات مسبقة (presuppositionless) كما يزعم أصحابها.
لكن هناك شيئا اعتبره رايل التِباسا حيويا (vital ambiguity) حاضرا في تلك النظرية الموسّعة للفينومينولوجيا التي جعل منها أصحابها الأساس المنطقي الأول، ليس فقط للسيكولوجيا، بل للمنطق، والميتافيزيقا، والرياضيات والعلوم الطبيعية. فلأجل تقبّلهم لفكرة برنتانو التي استعادت توجّه لوك ـ هيوم في التمييز بين فعل التمثُّل والمحتوى (أي الموضوع المحايث)، الفينمينولوجيّون عمّموا هذا المبدأ ووجدوا في كلّ ظاهرة من ظواهر الوعي، أي في كلّ فعل قصدي (in every intentional act) أو تجربة، وجهين: الأول هو الفعل والثاني هو المحتوى أو المعنى. وحسب هذا الطرح فإنهم ينظرون إلى أي شيء أو حدث ما، كلّ علاقة أو كلّي، كلّ مفهوم مُتصوَّر، على أنّه مُساوِق موضوعي لفعلِ وعي معيّن يشير إلى معرفة ما، أو افتراض ما أو انشغال بـ، أو انتظار لـ، أو اهتمام بـ. وبما أن من مشمولات الفينومينولوجيا تحليل حالات الوعي وفعالياته الذاتية ، كلّ شيء يغدو بالتالي مرسوما في شبكة الوعي؛ لأنّ جميع الأشياء تملك معنى بالنسبة لي، ودلالة الفعل، أو الأفعال التي لديها معانيها بالنسبة لي هي الموضوع الخاصّ لعلم القصدية(6). لكن في الوقت الذي يكون فيه محض استعارة خطيرة التحدّث عن أفعال لها معانٍ، أو أشياء هي "معانٍ للأفعال"، بالمثل يبدو أنّه من الخطأ الجسيم التحدّث عن شيء معلوم على أنه المساوق لفعل معرفتي بحيث تغدو إمكانية الذهاب إلى قلب الأشياء مُتاحة عن طريق تحليل تجربتنا في معرفته. إنّ تَوْأما ما هو مُساوق لِتَوأمٍ آخر لكن العمليات الذهنية على الواحد هي في الأغلب عمليات على التوأم الآخر، وليست على التوأم الأخر في حدّ ذاته. وهذا المنحى يؤدّي أيضا إلى نتائج خطيرة في ممارسة المنهج الفينمينولوجي: وهو ما قادت إليه تحليلات "الوجود والزمان". لأنّ حضور معرفة بعض الوقائع (والتي هي حاضرة في أيّ تجربة وعي)، على الرغم من أنه ليس معترف بها صراحة، فهي تتسرب خلسة مُتلحّفة بعبارات مثل "معرفة" و "إشراق" بالإضافة إلى العديد من المصطلحات الصبيانية التي يرغب هايدغر في نحتها وإدماجها في قاموسه الفلسفي الجديد. هناك مثلا الصفة العامة لوعينا الوجودي على أنه " الوجود ـ في ـ العالم "، من الأكيد أنها تشمل ضمنيا ردود أفعالنا الأخرى ومواقفنا المبنية على قاعدة معرفة ما. نحن لدينا عالم، أو نحن " في ـ العالم" فقط إذا كنّا على الأقلّ نعرف أنّ شيئا ما هو موجود. وبالمثل فإن محاولة اشتقاق معرفتنا بالأشياء من خلال طريقة استعمالنا للآلات لا يفي بالغرض، لأن استعمال آلة ما يفترض ضرورة معرفة ماهيتها، وما يمكن عمله بها، والغاية من استعمالها.
وإذا أردنا أن نسمّيَ الأشياء التي نعرفها "مساوقات لأفعال المعرفة"، يجب علينا، على الأقلّ، الاعتراف بأن تحليل ماهية تلك الأشياء ليس في مرتبة أدنى ولا ينبغي أن يكون بالضرورة مسبوقا بتحليل أفعال معرفتنا بها، لكن فقط بمحاولة طلب معرفة أكبر بالأشياء ذاتها(7). هذا الالتباس المُعتّم، كما يقول رايل، هو بالإضافة إلى ذلك مسؤول عن عملية تحديد المعنى الذي تطرحه تعاليم الفينومينولوجيا. الأشياء التي أعرفها والتي أضفيها معنى ما، عن طريق الرموز كقضايا، هي من جهة لفظية "المعنى" المُضفَى على الكلام: لكنها ليست (إلاّ بالعرض) تجربة حياتية أو مُجرّد فعل للوعي؛ ولا هي أيضا شيء مُكوَّن من طرف فعل وعي (an act of consciousness). فقط من جهة تعبير آخر لكلمة "المعنى" يفيد شيئا مشتقّا من حالة أو فعل وعي ـ خصوصا حينما لا يكون الشيء مشارا إليه برمز ما، لكن من حيث أن هذا الرمز يرمز إلى ذاك الشيء. ولكن إن اعترض معترض بأنه حتى فعل الترميز ذاته يخضع لحالات وعي خارجة عن مجال الضرورة المعرفية، وأنّ « رمزا ما يرمز (a symbol symbolizes) لأننا نحن اخترنا أن يكون كذلك، وبالتالي فإن معناه (أو لامعناه) هو ليس إلاّ نتاج فعل الوعي (is the product of an act of consciousness)»، يجيب رايل، وهو محق في ذلك، أنّ « منشأ دلالة رمز ما ليس هو منشأ الشيء الذي مُهمّته الترميز بقدر ما أنّ الغابة التي ينمو فيها عمود الإشارة هي الشبه للمدينة (the parental home) التي يصوّب إليها عمود الإشارة(8)».
يقول رايل بأنه خطّ هذا النقد ضدّ تعاليم هوسرل ـ هايدغر في المعنى، نظرا لأن نَهجَهما التمثلي يؤدي، في نهاية المطاف، إلى نوع من الذاتوية: فعَالَم الأشياء والأحداث ليس إلاّ نسيجا من المعاني المتولَّدة من أفعال الوعي. وهو يعتقد بأنّ السبب الوحيد في أنّ هرمينوطيقا الدازاين عند هايدغر، التي أخذت أو وعدَت بأن تأخذ شكلا من أشكال الميتافيزيقا الأنثربولوجية، نظرا لأن هايدغر يفترض مسبقا بأن المعاني التي جاءت تأويليته لسبرها وإيضاحها، ينبغي أن تكون مكوّنة من طرف الذات. هذا حسب رايل هو الإرث السلبي واللاواعي الذي ورثه هايدغر من هوسّرل وكان له أثر مفسد على نسقه الميتافيزيقي. ولا يُخفِي الرجل إعجابه بتحاليله الفينومنولوجية التي فعّلها لوصف كيفية اشتغال الروح الإنساني. إلاّ أن هذا الإعجاب لم يَمنعه من ترديد حكمه الذي رأيناه أعلاه من أنّ الفينومينولوجيا كفلسفة أولى، في الوقت الحاضر، تقود إلى الإفلاس والكارثة، وقد تنتهي إمّا بذاتوية مدمّرة لنفسها أو إلى " تصوّف هوائي" (a windy mysticism) كما هي الحال عند هايدغر.
مُراجعة جافة وأكاديمية إلى أبعد الحدود، واضحة وجلية في تعابيرها، وقد انتقى صاحبها النقاط التي ارتآها مُهمة وخطيرة في عمل هايدغر والمعضلات النظرية التي أخلصت إليها: ما شدّ انتباهه هي التعبيرات الصبيانية في مصطلحات هايدغر، والمنعرج الذاتوي الذي قد تؤدي إليه الفينومينولوجيا، ثمّ اعتباطية الدلالات التي تذهب بروح الموضوعية العلمية. لم يتناول النقاط التي قد توحي بتوجّه سياسي واضح ولا استوقفته تلك العبارات المحرجة مثل "القدر" و"المصير" و"البطولة" و"الموت"، لم يفعل ذلك وقد يكون عن حصافة وحيطة، لأن آثار الحرب الأخيرة مازالت عالقة بالأذهان ومن غير المجدي إعادة إثارة النّعرات والعداوات بين الشعوب الأوروبية.
3 ـ الماركسيّون في مواجهة الهايدغارية:
الفلسفة التي نبعت من تخمينات هايدغر، بعد الضجة الكبرى التي أحدثتها، وربما بعد أن قام بإشهارها عن غير قصد كارناب (R. Carnap) في مقاله الشهير " مجاوزة الميتافيزيقا عن طريق التحليل المنطقي للّغة"، لا يمكن أن تمرّ دون أن تسترعى انتباه المفكرين الاشتراكيين. تيودور هارتفيغ (Hartwig) في كتابه عن الوجودية (Der Existenzialismus)، حاول التصدي لهذه الفلسفة ووضعها في مكانتها الخاصة، أي باعتبارها إيديولوجيا رجعية. فالتنظير الفلسفي، من وجهة نظر سوسيولوجية ماركسية، كان دائما في تلاحم متين مع تطور الحياة المادية السياسة، بحيث أن هناك علاقة تفاعل ضرورية بينهما. الحالة الراهنة التي برزت فيها الايديولوجيا الوجودية، هي حالة أزمات اقتصادية واجتماعية، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الأزمات على الإنتاج الفكري وتأثر فيه. الوجودية ـ حسب هارتفيغ ـ هي هروب روحي من واقع اقتصادي فوضوي ومُشوّش، ولذلك فهي قد لعبت دور « المُصاحَبة الموسيقية لاقتصاد رأسمالي يُنتِج بصيغة عشوائية(9)». هارتفيغ يقول بأن هناك ارتباطا بين الوجودية والفاشستية: لقد نَبَعا من نفس الواقع الاجتماعي، ومن نفس الإحساس الذي نشأ في خضمّ الأزمة الاقتصادية العامة والتي رافقتها حالات توتر وفقدان الأمان الوجودي بالعيش. السمة الغالبة على فكر هايدغر هي مواقفه المثالية الشخصانية، والتي تمثل ردّة فعل البورجوازية الصغيرة التي شعرت بأنها مُهدّدة من طرف المسار التقدمي للتاريخ. والدليل على أن فكر هايدغر هو مصاحبة موسيقية لأزمة الاغتراب التي تعيشها الإنسانية الحديثة، هو أنه عوضا عن ادانة ذاك الاغتراب كما تفعل الماركسية، فهو يجذره، ويجعل منه ملازما أنطولوجيا للوجود. إن تشديد الوجودية الهايدغارية على بؤس الإنسان، على مقذوفيته في العالم، يشبه إلى حدّ ما قانون مالتوس الذي يُبرّر البؤس عن طريق عدم تكافؤ التطور الديموغرافي والإنتاج المادي. الجانب السياسي الراهن لهذه الإيديولوجيا لا يمكن أن يَخفى على أحد، وهو أن البورجوازية وجدت تِعلّة للتملّص من مسؤوليتها عن بؤس الطبقة الشغيلة: فقانون الطبيعة الحتمي عند الفكر البورجوازي، وأنطولوجيا نهائية الدازاين عند هايدغر، هما وجهان لعملة واحدة، حيث أنهما يُريحان البورجوازية من تحمل مسؤولياتها، ويبرران استغلالها، ويسدّان أمام الطبقة الشغيلة أي منفذ للتمرّد ضد المسبب في بؤسها.
أما على الجانب النظري فإن هارتفيغ يُركّز بشدة على الجانب المعادي للعلم من فكر هايدغر. فعلا، في "الوجود والزمان"، هايدغر يلاحظ بشيء من الغبطة حالة الأزمة التي تمرّ بها العلوم الوضعية، ولكن ـ يعترض هارتفيغ ـ يبدو أنه لم يتفطّن إلى وجود أزمة تضرب الفلسفة في العمق. لو أنّ هايدغر تعاطى الفيزياء الحديثة، لكانت لديه آراء متوازنة، ولوضَع أقلّ ثقة في المنطق الإنشائي للفلسفة. الفلسفة الوضعية، كما يلاحظ الكاتب، كانت قد تجاوزت منذ زمان الميتافيزيقا وإشكالاتها، وبالتالي من غير المستساغ أن يتجاهل هايدغر نتائج البحوث العلمية. وفي هذا الشأن فإن نظرية النسبية مثلا تفرض مفهوما للزمن مغايرا للتجربة التي نقوم بها في العالم المحسوس؛ كل تفكير حول هذا المفهوم يجب أن يَتعلّم من الاكتشافات الحديثة. وعلى هذا الأساس فإنه من غير المشروع أن يتناول هايدغر « مكانية الدازاين والمكان (Die Räumlichkeit des Daseins und der Raum)» في الفقرة 24 من الفصل الثالث، على هذا النحو: « لا المكان هو في الذات، ولا العالم في المكان. بل بالأحرى المكان هو الموجود "في" العالم، لأن الوجود في العالم، مُكوِّن للدازاين، قد فتح دائما المكان. إذن المكان ليس هو في الذات، ولا الذات تَعتبِر العالم "كما لو أنه" في مكان؛ الحقيقة أن الذات مُعتبَرَة في أنطولوجيتها الأصيلة، الدازاين، هي في ذاتها مكانيّة. ولأجل أن الدازاين مكاني بهذا المعنى، فإن المكان يَتمَظهر ماقبليا(10)». لكن حسب هارتفيغ، المكان الإقليدي الذي هو أقرب إلى حدوسنا الطبيعية قد أظهَرَ عدم كفايته للتعبير عن مقولة المكان النسبي. فعلا، المكان المنظور يجب أن يُمَيَّز عن المكان المُتصوَّر علميا؛ فالمكان عامة ينبغي اعتباره بالتناسب مع مُحدّب يَتَغيّر باطراد متطابق مع مجال الجاذبية(11).
أما في ما يخص تحليلات هايدغر للحالات الوجدانية مثل "الانشغال" كمُكوِّن للدازاين؛ الرعب من حيث هو ضرب من "الوضعية الوجدانية"، يقول هارتفيغ إن الكلمة الأولى والأخيرة في هذا الشأن لا تعود إلى الفلسفة بل بالأحرى إلى علم النفس. فتحليلات هايدغر إذا قارناها بالملاحظات الإكلينيكية الميدانية لعلماء النفس، تبدو ـ حسب هارتفيغ ـ «ثرثرة أنطولوجية». ثم إن تجاهل هايدغر المتعمّد لنتائج أبحاث التحليل النفسي هو ادّعاء خطير، فضلا عن أنه إخلال بالموضوعية العلمية. هارتفيغ يرى أنه بدون مساعدة التحليل النفسي لا يمكن تفسير ظاهرة الضمير. فهايدغر مثلا يُلصق بالضمير مسؤولية خطيئة أصلية، على الشكل المسيحي البروتستانتي. وبخصوص هذه الملاحظة فإن مفاهيم هايدغر بدت للعديد من المفكرين وكأنها نابعة من مقولات لاهوتية مُقنّعة. ماكسيمليان باك (Beck) أشار هو أيضا إلى أن « الإنسان الذي يُطمَح إلى تحليل وجوده هو طبعا الإنسان آدم: خطيئة ـ موت ـ عدمية (Schuld-Tod-Nichtigkeit) هي "الخطيئة الأصلية" للإنسان المُداس من طرف لانهائية الإله، والنازل في هاوية المَحدوديّة(12)».
أما اعتراض هارتفيغ على الطريقة التي زج بها هايدغر بمعتقد الخطيئة الأصلية في سياق تحاليله الفلسفية، يمكن تدعيمه من خلال الفقرة 59 من "الوجود والزمان"، حيث يرى أن « التجربة اليومية للضمير لا تَعرف شيئا مثل استفاقة الخطيئة(13)»، لأن الضرب الأصيل لوجود الدازاين هو "أن يكون مقذوفا به". في رأي هارتفيغ هذا التحليل الهايدغاري للضمير (Gewissen) خاطئ على طول الخطّ، ذلك لأن حالات وجدانية مثل الرّهبة والرعب والانشغال، التي اعتبرها أوضاعا وجودية، يُمكن فهمها بطريقة أفضل من طرف علم الأنثربولوجيا. هذه الوِجْدانات على كل حال موجودة في المجتمعات البدائية، لكنها تتنزّل كمكوّنات عينية لمَعيوشهم اليومي: الخوف من الحيوانات المفترسة، الرعب أمام قوى الطبيعة المجهولة، الإنشغال بتوفير الغذاء. أما تحاليل هايدغر فإنها، حسب هارتفيغ، غير ذات معنى أصلا، وفكرة "بنيات وجودية" لوعينا لا طائل منها. لا يمكننا أن نُفسّر الوعي دون الرجوع إلى اللاوعي، وإلى سيرورة الإحساس بالذنب التي قد تكون ثاوية فينا منذ الصّغر لأسباب بيّنها المحللون النفسانيون. ولذلك فإنها خيالية تلك التأويلات اللاهوتية للوعي، ومحاولة صهرها في قوالب فلسفة الوجود هي محاولة عبثية.
لكن حتى نظرية التحليل النفسي، بالنسبة لهارتفيغ، غير كافية لتفسير العصاب الجماعي المتجسّد في ظاهرة الوجودية. هذا علاوة على أنها لا تَفي بأغراض التحرر، نظرا لأنها تتربص بها منعرجات استبدادية معادية للديمقراطية. ضدّ هذا التصوّر العدمي ـ هارتفيغ ـ يدعو إلى تجاوز الفردانية البورجوازية، عن طريق تَمتين الحس الاشتراكي لأنه لا يمكن تحقيق المساواة، والعدالة الاجتماعية إلاّ بالعمل التعاضدي؛ وبهذا المعنى يجب أن تُفهم الممارسة الثورية للماركسية.
4. صناعة الأساطير والثرثرة:
أنا أعجب كيف قال دريدا بأن "الوجود والزمان" لم يُقرأ بِجدّ ولم يُفهم بما فيه الكفاية، وهذه الفكرة ما زالت سائدة بين أتباع هايدغر إلى اليوم. كان عليهم أن يَبحثوا ويُنقّبوا في الأدبيات الفلسفية العديدة التي تَحَمّل فيها أصحابها عناء الغوص في ذاك الكتاب ونقده بصورة جدية. لقد قدّمتُ مثالا من الفيلسوف الانجليزي جلبارت رايل، وعرضتُ موقفه السلبي من عمل هايدغر هذا. وها أنا ذا أقدّم مثالا آخر أكثر نقدا من الأول، وهذه المرة جاء من أحد الفلاسفة الذين كانت لهم معرفة شخصية بهايدغر منذ بدايته، وهو يوليوس كرافت (Julius Kraft)، الذي فرّ هاربا إلى أمريكا إثر إصدار الرايخ الثالث للقوانين العنصرية ضد اليهود، والتي مزقت المجتمع الألماني في العمق.
فلسفة الوجود، حسب كرافت، تصبو إلى أن تكون شيئا جديدا كلّ الجدّة، ونقطة تَحَوّل هامة في تاريخ الفلسفة، وعلى الرغم مِن أن العديد من الناس انجرّوا وراء هذا المعتقد، بعد أن كرّره أصحابه حتى التّخمة، فإن « النسق كما هو في ذاته لا يُبرّر هذا الهدف أبدا(14)». فهو يُبدي فقط مجرد زخرفة في ثوب حديث لنمط قديم من التفكير والذي، إن حُذفت منه تلك الزخرفة، فإنه سيفقد حتما ليس فقط أية قوة إيحاء، بل سينزوي خارج إطار أي حوار فلسفي جدّي. إذا تمعنا جيدا في فلسفة الوجود فستبدو لنا أنها فلسفة مُتعسّفة، وكل فلسفة تحمل هذه السّمة فإنها غريبة عن الحقل المعرفي، وبالتالي غير موفية بشرط الإقناع العلمي؛ يُمكنها، في أقصى الحالات، أن تُغري، يَعني أن تُغلق نفسها في مُوضَة التسلّط(15). وليس من سبيل الصدفة أن فلسفة الوجود تَستخدِم لغة سرّية لكي تُبهِر بها النفوس وتُدعّم قيمتها: لقد غدت هذه التقنية علامتها المميزة ومنهجيتها الخاصة. فلسفة الوجود تزعم بأنها فلسفة ملتصقة بالحياة، بالمعيوش اليومي، على خلاف تلك الأنساق الفلسفية المجردة المقطوعة عن العالم والتي تُنتِج تخمينات فاضلة. يجب العيش في البداية، ثم التفلسف كما يقول المثل اللاتيني (primum vivere deinde philosophare). لكن، يعترض كرافت، حتى هذه الدعوة لا تخلو من تسليم نظري مسبق، وعلى هذا الأساس فإن فلسفة الوجود هي مواصَلة لفلسفة الحياة التي أسسها برغسون، مع اختلاف جوهري: وهو أن الحياة في فلسفة الوجود ليست هي بالحياة اليافعة، "الخضراء" كما في "التطوّر الخلاق"، بل هي "رمادية" كالنظرية التي تُناهضها فلسفة الوجود.
منابع فلسفة الوجود يَردّها كرافت إلى كيركغارد وخصوصا إلى موقفه من الدين والفلسفة. لقد شرّطت قناعته البروتستانتية في الخطيئة الأصلية جملة مواقفه الفلسفية: "رهبة ورعب" هذا ما ينصح به كيركغارد، "قلق وغثيان" هذه وِصفة هايدغر. وعلى الرغم من قرفه من الفلسفة، فإن زعيم التيار الوجودي كيركغارد، الذي عارض بشدّة عقلنَة هيجل للمسيحية، ينطلق من مسلّمة مضمرة: مسلمة اعتباطية مفادها أنه إذا فشلت فلسفة هيجل فإن الفلسفة برمتها فاشلة. وفلسفة هيجل فاشلة إذن، يستنتج كيركغارد، الفلسفة برمّتها هي مجرد أوهام. الدين المسيحي غير قابل للتجريد، وغير خاضع للعقلنة الفلسفية، إنه فقط موضوع فعل إيمان. لكن الإيمان لا ينتمي إلى مملكة المعرفة، ذلك لأنه إذا كان هناك مجال مستقلّ للإيمان، ينبغي أن يتموقع خارج مجال المعرفة النظرية. هذا الشرط يتحقق فقط في الذاتية، في الوجدان، في المعجزات والأسرار، في "الوجود" الذي هو ذاتي، حميمي. الوجود عند كيركغارد، هو ليس إلاّ العادة السيكولوجية التي على أساسها يشارك الإنسان المسيحي في دينه الموحى. يقول كرافت بأن شيئين يَشدّان الانتباه في هذا الموقف الوجودي: صدقه اللاهوتي أوّلا، وتهافته الفلسفي ثانيا. صدقه اللاهوتي يَصله بقولة ترتوليانوس "أومن لأنه محال" (credo quia absurdum): الاعتقاد غير قابل لأي نوع من العقلنة.
الوجودية الحديثة هي، في جوهرها، تراجع نحو اللاهوت، حتى ولو أنها، عرضيا، مثلما فعل هايدغر، تتباهى بكونها ملحدة. لكنها تبقى على الرغم من هذا فلسفة لاهوتية من حيث رفضها مبدئيا البراهين على مقدماتها، وبالتالي فهي تسحب المبدأ المنهجي في المعتقد اللاهوتي على الفلسفة. من خلال مقدماتها ونماذجها التاريخية فإن « فلسفة الوجود ـ في رأي كرافت ـ هي فلسفة مفارقات، وأساس مفارقاتها الخاصة هو المقدّمة التي ترى أن حكمة الفلسفة تكمن هي ذاتها في مفارقة(16)»؛ ثم إن تركيبة فلسفة الوجود ليست لاهوتية من الجانب الصوري فقط، بل من الجانب المادي أيضا لأنها تحاول، عن طريق نقد الطبعانية (naturalism)، إقامة أنطولوجيا جديدة، يعني محاولة الرجوع إلى نمط من التفكير تمّ تجاوزه في الفلسفة المعاصرة. وما يثبت غايتها اللاهوتية المُقنّعة، طموحها في اشتقاق الواقع الإمبيريقي مِن علّة أولى. هايدغر وجد ضالّته في مفهوم العدم، جاعلا منه الجوهر الأول، وهذا العمل يُرجعه إلى أحضان اللاهوت، وتَبقَى محاولته، في العمق، مجرّد تأسيس دينيّ للعالم الإمبيريقي: « فلسفة الوجود هي محاولة جديدة ترمي لتقوية، دون معرفة، ما لا تثق بمعرفته: الحقيقة الدينية(17)».
"هايدغر هو من بين فلاسفة الوجود الأكثر أصالة في اصطناع الأساطير؛ وأكثرهم جديّة في تنسيقها هو كارل ياسبرس": هذا رأي كرافت. مع هايدغر نعثر على هذه الفلسفة الجديدة اللاعلمية (non-scientific) في شكلها المحض. فهو يفتتح عمله "الوجود والزمان" بتصدير مُهيب، إذا قرأناه جيدا وتمعّنا فيه بجدّية، فلا حاجة لمواصلة قراءة ما بعده. لقد أوّل خطأ أغراض محاورة السفسطائي لأفلاطون، التي تحاول الفحص في الميتافيزيقا عن طريق التفكير الواضح، طارحا السؤال التالي « هل لدينا اليوم إجابة عن سؤال ما معنى كلمة وجود؟ لا. أبدا. إذن يجب طرح السؤال مرة أخرى حول معنى الوجود». يبدو من الوهلة الأولى أن السؤال المطروح هنا هو بالدرجة الأولى فيلولوجي، وليس بفلسفي إطلاقا. لكن من يعتقد كذلك يَنسَى كلمة هامّة استخدمها هايدغر في سؤاله، أي كلمة "حقيقي". فاهتمامه لا ينصب على تعدد معاني كلمة "الوجود"، ما يرغب فيه هايدغر هو التوصّل إلى المعنى الصحيح للوجود، الذي يُمظهر الوجود الحقيقي(18). لكن، حسب كرافت، من المعلوم أن معنى حقيقيّا للوجود هو مجرد تناقض، إذ أن لا شيء يَقِينا من أن نسمّي وجودا ما، شيئا نشتهي تسميته كذلك، وهايدغر استعمل هذه الطريقة على نطاق واسع. ولهذا فإن انتقاء مصطلحات مثل الـ"حقيقية" أو الـ"واقع" تصبح عملية اعتباطية خصوصا إذا عمد أحدهم إلى خلط الجانب الفيلولوجي مع التحديدات المنطقية والميتافيزيقية، ثم التعاليم الدينية (معنى الوجود).
الخلط، يقول كرافت، هو نقطة الانطلاق (the starting-point) لنسق هايدغر، الذي عمّده بنوع من الأبّهة (bombastically) داعيا إياه بـ"أنطولوجيا أساسية". إنها مجرد ميتافيزيقا فيلولوجية وذلك بوجهين: الأول، لأنها تَعفِي تحليلها للمعاني اللفظية من واقع اللغة، والثاني لتكريسها تلك الاملاءات على أنها حقيقة فلسفية(19). ويشير كرافت إلى أن هايدغر باستعماله المكثف للتحليل الفيلولوجي، فهو يسير على هدي نيتشه حيث أن نقده وتركيباته الاعتباطية مشتقة أو مَبنية على "حرية التأويل"، لكن هناك اختلافا جوهريا بين هايدغر ونيتشه لأن تأويلات هذا الأخير فيها بعض الإيحاءات، رغم أنها أنصاف حقائق، مُعَبَّر عنها بلُغة واضحة وأسلوب خلاب، في الوقت الذي غدت فيه أنطولوجيا هايدغر، من أوّلها إلى آخرها، تتآكل في خليط قاحل ومجموعة من الالتباسات(20).
لقد انعكست منهجية الخواء الفيلولوجي، عند هايدغر، على مُجمل تحليلاته في "الوجود والزمان" لكي تُشرّط حتى مقاربته لمصطلح علم الفينومينولوجيا، الذي أصبح عنده شكلا من أشكال فينومينولوجيا الثرثرة (verbalistic phenomenology). فهو يَعمَد إلى تقسيم كلمة فينومينولوجيا إلى قسمين: "فينومينون" و "لوغوس" محاولا استقصاء معنييهما على حدى. النتيجة التي استخلصها مزدوجة: الأنطولوجيا الأساسية تصبح الآن فينومينولوجيا، وذلك بفضل الثرثرة. قبل كل شيء يُترجم الفعل اليوناني "ظهر" (φαινεσθαι) ومنه يشتق معنى حق، ثم يعمد إلى تحديده على أنه المعنى الحقيقي لـ"الظاهر"، «الظاهر في ذاته (das sich an ihm selbst Zeigende)»، والآن يأتي تأويل المعنى الأساسي لـ"لوغوس (λογος)": اللوغوس يعني خطابا ما، يَسمَح لنا بالنظر. الفينمينولوجيا يمكن تعريفها كالآتي: إنها تتمثل في (λέγειν τα φαινόμενα) "قول الظاهر". لكن بما أن معنى (λέγειν) تتضمّن الـ(αποφαινεσθαι)، نحصل على المعنى الحقيقي للفينومينولوجيا الذي هو: "ما يتركنا ننظر إلى الأشياء ذاتها بالتحديد كما تبدو". وإذا ما أبدلنا "ما يظهر لنا" بـ"ما لا يظهر لنا في البداية وفي مُعظمه" سنكون قد حققنا غايتنا الأنطولوجية الأولى. الفينومينولوجيا تتبع نهج التأويل، الهيرمينوطيقا، وهذا ما يدعم خاصيتها على أنها ميتافيزيقا فيلولوجية.
ولمعرفة الوجود المحض في أساسه الذاتي، هايدغر ينطلق من تحليل أوّلي للإنسان، واضعا له هذه المرة لقب الدازاين ـ تسمية غريبة جدا، كما يقول كرافت، ومع ذلك فإن هايدغر وجد لها تبريرا هيرمينوطيقيا. الفينومينولوجيا الهوسرلية تفترض حدسا للذوات من طرف الوعي المحض، هايدغر مسايرا لهذا الماقبلي النظري للإنسان، يردفها بتحليل الموجود هناك؛ لكنه يستخدمها لكل الأغراض ما عدا الغرض النظري: تحليل الحياة اليومية أو، بأكثر دقة، هرمينوطيقا لصنف من المصطلحات اصطُنعت خصّيصا له، في هذه الفلسفة الحَاجّة ـ كما يصفها كرافت (Philosophy in a pilgrimage) ـ حيث يطوف بنا صاحبها لأكثر من 500 صفحة كي نَصِل إلى عتبة مَعبد الميتافيزيقا: الوجود بما هو وجود.
لقد تخلى هايدغر عن مطلب هوسرل لبناء فلسفة علمية، واعتبر الفلسفة غير قابلة للقياس بمعيار العلم، وأن الفكر المجرّد غير قادر إطلاقا على اكتشاف حدث الوجود والعدم، ولهذا ماح إلى التجربة الوجدانية من قلق ورهبة. لا بل إنه حسب كرافت، بعد أن استقال عن المطلب العلمي ارتمى في دوامة التصوّف(21). الفعالية الفلسفية عند هايدغر يجب أن تكفّ عن أن تكون فعالية معرفية ذات غايات تأسيسية، وبالتالي فهي منذ البداية لا تريد إلاّ أن تكون سرّا (nur ein Mysterium) وأن يُعتَقَد فيها على أنها كذلك(22). على هذا الأساس، فإن هايدغر لا يبرر الكيانات الجديدة التي ابتدعها، بل هو يسردها فقط. الأسلوب اللغوي الجديد الذي استخدمه في "الوجود والزمان"، كان قد استبقه إليه هوسرل حينما زعم بأن التحليل الفينمينولوجي يفترض لغة خاصة، لكن في الوقت الذي تميّزت فيه لغة هوسرل بأسلوب نقيّ في أعلى مراتب الوضوح (maximalster Klarheit)، وأفكاره خاضعة لدرجة من التنسيق فإن تقنية هايدغر يغلب عليها التشويش والثرثرة. وهذه التقنية الأسلوبية الممزوجة بالغموض سَمحت لهايدغر، في الآن نفسه، بحل مشاكل فيلولوجية، دينية ـ فلسفية ومنطقية (23). إن هرمينوطيقا هايدغر التي استمدها من ديلثاي هي أساسا عملية استبدال: فهو يستبدل معاني قديمة بحديثة ويُضفي على الكلمات القديمة مدلولات جديدة(24). بالنسبة لكرافت ليس من الضروري تطوير تأويلية الكينونة الإنسانية لإيضاح مفهوم الوجود: فالإشكالية هي من البساطة بحيث أنه « بفضل معنى الرابطة الوجودية في أي جملة، بفضل كلمة "هو" يمكن إيضاح مفهوم الوجود(25)». إن تحاليل هايدغر تبدو في ظاهرها عميقة ولكنها في حقيقة الأمر فاقدة لهذا العمق الأنطولوجي المزعوم. مثال على ذلك هو ثرثرة المعرفة. في إحدى صفحات "الوجود والزمان" يكتب هايدغر: « إذا أعدنا فحص ما يتجلى في المعطى الفينمينولوجي للمعرفة، يصبح واضحا أن المعرفة ذاتها تتأسس مبدئيا في ذلك الوجود ـ بَعدُ ـ لدُنّ ـ العالم (Schon-sein-bei-der-Welt) الذي يكوّن وجود الدازاين بما هو كذلك(26)». الثرثرة هنا تمسّ " الوجود ـ بَعدُ ـ لدُنّ"، فبكلمة "وجود ـ لدنّ" هايدغر يقصد، طبعا، الوجود ـ لدنّ الذي يفهم، وإذن « الإيهام بتأسيس أعمق للمعرفة ـ [تأسيس] يذهب أبعد من الفكرة المبتذلة التي ترى أن مَن يعرف يجب أن يُوجَد لكي يستطيع أن يعرف ـ تم إنجازه فقط عن طريق سفسطة لغوية(27)». وبهذه الطريقة فإن هايدغر، انطلاقا من كيانوية (Existential) "الوجود في العالم (in-der-Welt-sein)"، وبِجَمعِه الحرفين الأول: "في (in)"، والأخير: "وجود (sein)"، بَنى ضرب الـ"في الوجود (Modus In- Sein)" كشرط صوري لـ"الوجود ـ في ـ المكان"، يعني للانشغال: فِعلُ المعرفةِ يَستمدّ معناه الأنطولوجي العميق من ذاك " الإنشغال" الذي يتعامل بأدوات يومية(28).
في النهاية يشير كرافت إلى الأغراض الإيديولوجية الثاوية وراء تخريجات هايدغر بخصوص النشاط المعرفي قائلا: « إن شيلر ذاته كان قد خلط، في نظريته للأخلاق وفي فلسفته للدين، الملكة المعرفية بفعاليات نفسانية أخرى وربَط بها نظرية التجلي الطبيعي للإله في الإنسان. هايدغر يكتفي بالأداة التي تتمظهر ويجتهد أمام قرّائه ـ الذين تَربّوا في المنهج الماركسي أو عموما السوسيولوجي على اعتبار المعرفة بنية فوقية لعلاقات الإنتاج وللمكانة الطبقية ـ لجعلهم واعين بالعمق الأنطولوجي لآرائهم. لكن قرّاءا آخرين، على العكس من ذلك، سيَضعون مقولات "الانشغال"، "الأداة"، "الاستعمالية" في رواق العجائب اللفظية لنظرية المعرفة(29)».
هناك مثال آخر للالتباس اللغوي الذي يحدثه هايدغر في ذهن القارئ ويوهمه بالجدة النظرية، في الوقت الذي هو، مجرّد سفسطة. لكي يقدّم، في "الوجود والزمان"، حجة فينومينولوجية ما قبلية على ضرورة الموت انطلاقا من بنيات الزمن المعاش، يقول بأن « نهاية الكينونة كدازاين هي بداية هذه الكينونة كمجرّد حضور(30)»، لكن بالنسبة لكرافت هذه الفكرة، مُترجمة للألمانية (auf Deutsch)، تَعني بكل بساطة أن « نهاية الحياة هي بداية الموت (Das Ende des Lebens ist der Beginn des Totseins)(31)». وهي، على كل حال، إشكالية فيزيولوجية وليست بفلسفية.
كرافت، في تقييمه لفلسفة "الوجود والزمان" يصل إلى نتيجة قد تكون جارحة لأتباع هايدغر، وهي، على أية حال، في تعارض مطلق مع ما قاله هايدغر عن نفسه، ومع التحديد الذي ألقاه على نقاد هايدرغ بأن يعودوا ويتمعنوا في ذاك الكتاب الزاخر أفكارا جديدة وفذة. نحن الذين لم نعش تلك الفترة، علينا أن نطوّع خيالنا ونحاول الولوج في جوّ ثقافي متأزم، طرح فيه هايدغر على الفلاسفة الأكاديميين نمط تفكير فلسفي جديد، رأوا فيه تهديدا من الداخل يضرب كيان الفلسفة في الصميم، ويهمّش مهمتها التثقيفية العظيمة. مِن مُجمل تحليلات "الوجود والزمان" يمكن الاحتفاظ، حسب كرافت، بشيء واحد وهو الثرثرة: « وصْف الثرثرة هو الثمرة الوحيدة على الإطلاق ذات الأهمية البالغة في الأنطولوجيا الأساسية، والتي منها، في يوم ما، ستَنكَشِف أخيرا أنها هي الماهية العميقة لهذه الفلسفة (das Innerste Wesen dieser Philosophie)(32)».
الهوامش:
1- VOLTAIRE, Dictionnaire philosophique, in Œuvres de Voltaire, T. XXXVIII, Librairie Lefèvre, Paris MDCCCXXIX, art. Cicéron, pp. 83-89. cit, p. 83, n. 2. « Cette satire de Cicéron est l’effet de ce secret penchant qui porte un grand nombre d’écrivains à combattre, non les préjugés populaires, mais les opinions des hommes éclairés. Il semblent dire comme César, j’aimerais mieux être le premier dans une bicoque que le second dans Rome. Pour acquérir quelque gloire en suivant les traces des hommes éclairés, il faut ajouter des vérités nouvelles à celles qu’ils ont établies ; il faut saisir ce qui leur est échappé, voir mieux et plus loin qu’eux. Il faut être né avec du génie, le cultiver par des études assidues, se livrer à des travaux opiniâtres, et savoir enfin attendre la réputation. Au contraire, en combattant leur opinions, on est sûr d’acquérir à meilleur marché une gloire prompte et plus brillante ; et si on aime mieux compter les suffrages que les peser, il n’y a point à balancer entre ces deux partis».
2- النص الذي لخصت منه كلمات دريدا، هو نص مداخلة مرتجلة ألقاها في ملتقى بعنوان : Heidegger– Portée philosophique et politique de sa pensée بتاريخ 5 فيفري 1988 في هايدلبرغ بألمانيا. ونص مداخلة درّيدا جاء بعنوان " سكوت هايدغر" نشر في الكتاب الجماعي : Antwort Martin Heidegger im Gespräch, hrsg. v. Günther Neske und Emil Kettering .Pfullingen, Verlag Günther Neske, 1988 . الترجمة الإيطالية التي استعملتها جاءت تحت عنوان AA. VV, Risposta a colloquio con Heidegger , Guida, Napoli 1992
3- G. RYLE, review of Heidegger’s Sein und Zeit, in Mind, 1929, p. 355. “This is a very difficult and important work, which marks a big advance in the application of the "Phenomenological Method"- though I may say at once that I suspect that this advance is an advance towards disaster”.
4- “There is thus a progressive trend visible in the philosophy of Husserl and his followers towards a rarified Subjective Idealism or even Solipsism, a trend which, in my view, is not necessitated by the idea of Phenomenology, which I regard as good, but only by a particular elaboration of a part of special theory of Meaning which is, if I am not mistaken, an evil legacy from the Locke-Brentano hypothesis of the existence of "ideas" – certain mental entities out of which knowledge is somehow composed, though they are neither the objects known nor yet our acts of getting-to-know, but representatives between the former and the latter”. Ibid, p. 362.
5- “The hypothesis seems to me a perilous one, for it is at least arguable that it is here, and not in the language of the village and the nursery, that mankind has made a partial escape from metaphor”. Ibid, p. 364.
6- ألخّصُ نصّ رايل، من ص، 368 إلى ص، 370.
7- but only by getting to know still more about the things themselves.
8- ج. رايل، ن. م، ص، 370. “Certainly a symbol symbolizes because we choose that it shall, so its meaning (i.e., meaningfulness) is the product of an act of consciousness, but the origin of the functioning of a symbol is no more the origin of the thing which it is its function to symbolize than the forest in which a sign-post grew is the parental home of the town to which the sign-post points”.
9- تيودور هارتفيغ، الوجودية إيديولوجيا رجعية سياسيا، فيينا 1948. ذكرته: إنغيبورغ باخمان: المراجعة النقدية للفلسفة الوجودية لهايدغر، ص، 24. الترجمة الإيطالية. I. BACHMANN, Die kritische Aufnahme der Existential-Philosophie Martin Heideggers, [Diss. Wien 1949]. Aufgr.e. Textvergleich. mit d. liter. Nachlass hrsg. v. Robert Pichl, München, Piper 1985. (trad., it, La ricezione critica della filosofia esistenziale di Martin Heidegger, a cura di Silvia Cresti, Guida, Napoli 1992, p. 25)
10- M. HEIDEGGER, Sein und Zeit, op. cit, p. 111. „Der Raum ist weder im Subjekt, noch ist die Welt im Raum“
11- I. BACHMANN, La ricezione critica della filosofia esistenziale di Martin Heidegger, op. cit, p. 27.
12- ذكرته باخمان، م. س، ص، 28، ملاحظة رقم 41.
13- M. HEIDEGGER, Sein und Zeit, op. cit, p. 292. „die Alltage Gewissenserfahrung so etwas wie ein Aufgerufen werden zum Schuldigsein nicht kennt“
14- J. KRAFT, The Philosophy of Existence. Its Structure and Significance, in “Philosophy and Phenomenological Research” v. I, September 1940- June 1941, Reprinted by permission, New York, 1963, p. 246
15- Ibidem. “ But a philosophy alien to knowledge cannot convince, it can at most persuade, i. e., abstruse itself in an authoritarian fashion”.
16- J. KRAFT, The Philosophy of Existence. Its Structure and Significance, p. 246. “ This formula shows intuitively that the philosophy of existence represents itself as a regression to theologism…Even though this philosophy occasionally, as with Heidegger, vaunts itself as atheistic, it nonetheless remains theological philosophy in that it rejects on principle reasons for its assumption and therewith extends the methodological principle of theological dogmatic to philosophy….Its presuppositions and its historical models prove thus that the philosophy of existence is the presupposition that the wisdom of philosophy is itself paradox, but the philosophy of existence is theologism, not only formally but also materially, since it tries to derive from the criticism of naturalism the right to a new ontology, that is to a new philosophy which renews the attempt, now antiquated by the development of philosophy, to derive empirical reality from a first cause. The fact that Heidegger introduces the nought (das Nichts) as primary substance…does not change the fact that the contents of the philosophy of existence betray a religious construction of the empirical world”.
17- Ibidem. “The philosophy of existence is a new attempt to enforce without knowledge what it does not trust to knowledge: religious truth”.
18- Ibid, p. 347.
19- Ibidem.
20- Ibid, n. 10. “With this Philologism Heidegger proceeds along the way prepared by Nietzsche, whose critical and constructive arbitrarements are likewise the consequences of “liberties of interpretation”…To be sure Heidegger differs essentially from Nietzsche insofar as the interpretations of the latter are suggestive half-truths, expressed in a very charming form; while Heidegger’s fundamental ontology from the beginning to the end exhausts itself in arid confusions and trivialities”.
21- J. KRAFT, Von Husserl zu Heidegger. Kritik der phänomenologischen Philosophie, Felix Meiner Verlag, dritte Auflage, Hamburg 1977, p. 83. „Bei Heidegger wird der wissenschaftliche Ausgangspunkt Husserls völlig verleugnet und der Sprung in die Mystik hinein vollzogen“.
22- J. KRAFT, Von Husserl zu Heidegger. Kritik der phänomenologischen Philosophie, op. cit, p. 86. „ sie will von vornherein nur ein Mysterium sein und als solches geglaubt werden“.
23- J. KRAFT, Von Husserl zu Heidegger. Kritik der phänomenologischen Philosophie, op. cit, p. 87-88. „ durch reine Bewortung, philologische, religionphilosophische, logische Fragen „in eins“ zu „lösen“.
24- J. KRAFT, Von Husserl zu Heidegger, p. 86. „Die Bewortung substituiert alten Bezeichnung neue, um so auf unmerkliche Weise alte und neue Vorstellungsinhalte miteinander vertauschen zu können. Sie belegt aber nicht minder alte Inhalte mit neuartigen Bezeichnungen und glaubt schon damit eine philosophische Einsicht zu vermitteln. Sie bildet Präpositionen, Verba und Konjunktionen zu Substantiva um, sie verselbständigt Wortsilben und vermeint durch diese Bezeichnungsart neuartige Entitäten aufzuweise“.
25- Ibid, p. 88. „Es hat keinen Sinn, diesem Umweg, einer ontologischen Umdeutung der Husserlschen Bewußtseinphänomenologie, entgegenzuhalten, daß es zur Klärung des Seinsbegriffs nicht erforderlich ist, eine Hermeneutik des menschlichen Daseins, eine Existentialanalytik, auszubilden: daß man sich vielmehr an Hand des Sinnes der Copula beliebiger Sätze, des Wortes „ist“, den Begriff des Seins klarmachen kann“.
26- M. HEIDEGGER, Sein und Zeit, op. cit, p. 61.
27- J. KRAFT, Von Husserl zu Heidegger, ibid, p. 91.
28- انظر بخصوص هذه الإشكالية: فتحي المسكيني، نقد العقل التأويلي أو فلسفة الإله الأخير، مركز الإنماء القومي، بيروت ـ باريس 2005. صص، 182 ـ 183.
29- J. KRAFT, Von Husserl zu Heidegger, ibid, p. 91-92. „Schon Scheler hatte in seiner Ethik und Religionsphilosophie das Erkennen mit anderen psychischen Tätigkeiten in Verwirrung gebracht und daran die Lehre von der natürlichen Offenbarung Gottes im Menschen geschlossen. Heidegger begnügt sich mit dem Zeug, das sich selbst offenbart, und mag damit Lesern, die nach marxistischer oder überhaupt wissenssoziologischer Methode die Erkenntnis für einen Überbau …Andere werden das Besorgen, das Zeug, die Zuhandenheit in das terminologische Kuriositätenkabinett der Erkenntnistheorie verweisen“.
30- M. HEIDEGGER, Sein und Zeit, op. cit, p. 238. „ Das Ende des Seienden qua Dasein ist der Anfang dieses Seienden qua bloßen Vorhandenen“
31- J. KRAFT, Von Husserl zu Heidegger, ibid, p. 101.
32- J. KRAFT, Von Husserl zu Heidegger, ibid, p. 97. „Diese Schilderung des Geredes ist der einzige, uneingeschränkt positive Ertrag der Fondamentalontologie, von dem schließlich einmal offenbar werden wird, dass er das Innerste Wesen dieser Philosophie enthüllt“.