على هامش الحرب الكلامية بين مثقّفي مصر والجزائر




لم يكن التحرّك الديبلوماسي لتطويق الأزمة بين الحكومتين المصرية والجزائرية، و الذي تأخر لأغراض "تكتيكية" كما يقول محترفو السياسة، أو تمّ تأخيره (بقصد)، لتحقيق مصالح حزبية وشخصية محدّدة وضيّقة، كما يقول محترفو المعارضة سوى مسألة وقت في كلّ الأحوال. فالجميع يدرك - طبعا باستثناء صغار النفوس والعقول- أنّه لا توجد أصلا تناقضات جوهرية، ولا خلافات سياسية حقيقية بين البلدين الشقيقين، يمكن أن تؤجّج الخلاف وتديمه.
ومع ذلك فإنّ صفحة هذا الخلاف العابر التي يعرف الساسة متى يفتحونها، ومتى يأمرون بطيّها كشفت عن هشاشة قطاع كبير من الإعلاميين والفنّانين والمثقّفين سواء في مصر أو الجزائر، ولعلّ ذلك من فوائد الأزمات التي تكشف المخبوء والمكبوت، وتعرّي الحقائق وتفضح الإدعاءات.
لقد كشفت الأزمة الأخيرة، أن الساسة كبارهم أعني أنّهم أكثر عقلانية ورصانة في بعض الأوقات من المثقفين، وأحيانا من كبار المثقفين الذين أظهر قطاع منهم الكثير من الاندفاع والانفعال الحاد في ردودهم في وسائل الإعلام. فعلوا كلّ ذلك، وكأنّهم يشحذون الرأي العام ضدّ عدوّ وضع دباباته وطائراته استعدادا للحرب، بينما كان الساسة - وكبارهم أقصد- يتفرّجون بسخرية على مسرحية كلّفوا بعض موظّفيهم بإخراجها على عجل. ورغم رداءة الإخراج، بل قل بدائيته، تمكّنت المسرحية من الإيقاع بمن يفترض أنّهم نخبة مجتمعاهم من الكتاب والمثقّفين والفنّانين.
كنت أتابع كغيري ردود الفعل من هنا وهناك على الفضائيات وعلى الصحف والمواقع الإلكترونية والفايسبوك. واستمتعت حقّا بعديد المقالات الرصينة والذكية التي تدخّلت لإطفاء نار الفتنة والكشف عن الجهات والأطراف المستفيدة من إشعالها، ( وأذكر على سبيل المثال لا الحصر مقالات "عبد الباري عطوان" في جريدة القدس العربيّ ومقاليْ باسط بن حسن ومختار الخلفاوي على موقع الأوان الإلكتروني ). كنت أتابع الموضوع وأنا أستعدّ لحضور ندوة دولية بمدينة القيروان عن "الاستشراق وأثره في الثقافة العربية" (الاستشراق الغربي طبعا) إلى أن وقعت على مقال الكاتب ياسين تملالي الذي يحمل عنوان "حتّى أنت يا يوسف" والذي يردّ فيه على مقال للكاتب المصري يوسف زيدان صاحب الرّواية الفائزة بالبوكر أضخم جائزة عربية عن روايته "عزازيل". وأعترف أنّني صدمت بالمقال ومررت بحالة من الذهول، جعلت حماسي لحضور الندوة الخاصة بأثر الاستشراق في الثقافة العربية يخفت، بل قل يموت. فأي الاستشراقين أخطر علينا، استشراق عدد من محدودي الثقافة من الغربيين كما يسمّيهم المفكّر التونسي هشام جعيط ممّن لا يعتدّ بعلمهم لتواضعه وسخف نتائجه، أم الاستشراق المعكوس، استشراق عدد من كتابنا ممّن تجاوزوا بعنصريتهم وشوفينيتهم عتاة العنصريين الغربيين، والحال أنّهم كما هو الحال بالنسبة إلى يوسف زيدان ممّن يرفعون قيم وشعارات التسامح والحوار بين الأديان والشعوب ؟
يقول ياسين تملالي صاحب المقال المنشور بجريدة "الأخبار" اللّبنانية "لم تؤلمني العنصرية التي تذكر بها الجزائر ومصر في بعض وسائل إعلام البلدين، كما آلمني مقال يوسف زيدان «ذكريات جزائرية» («المصري اليوم» ــ 25 نوفمبر2009). كان أحرى بمن كتب دفاعاً عن روايته «عزازيل» أن «العنف لا يرتبط بجوهر الديانة» أن يردد أيضاً أنّ العنف ليس من «جوهر الجنسية الجزائرية»، بدل إقناع قرائه بأنّ الجزائريين مثال للعنف والصفات الذميمة من تعصب وتأهّب دائم لـ"فقء العيون".(….) شيّد صاحب «بوكر» صرحاً من الكليشيهات. نعرف من قراءتنا لإدوارد سعيد أن «الابتداع الجغرافي» (رسم جغرافيا وهمية تتلاءم مع ما نريد إثباته) هو من وسائل الاستشراق. هذا ما يقوم به زيدان، فلا حديث له عن الجزائر إلا كـ«صحراء». ونحن إذ نذكِّره بجغرافيا الجزائر، فلأنّ «لصحرائه» المبتدعة على منوال المستشرقين (بالأحرى على منوال هوليوود) وظيفةً محددةً: تصوير البلد على أنه بلد عنف أعمى لا يعرف النظام، وتصوير الجزائريين على أنهم همج يهيمون في تلك البيداء.. ؟
المقال طويل نسبيا، وقد عدت إلى مقال الكاتب يوسف زيدان، كما يمكن أن يعود إليه أي قارئ، وتأكّدت بأن كلّ ما نسب إليه من أفكار وردت حرفيا في مقاله، دون زيادة ولا نقصان، وهو ما جعلني أتساءل بمرارة كيف تصدر هذه الأفكار عن شخص كان منقطعا للكتابة عن التصوّف ورؤيته للعالم في سلسلة من المقالات بجريدة "المصري اليوم"، كما يشير في مقاله؟. كيف تصدر هذه الأفكار عن رجل باحث في تاريخ الأديان ومؤلف رواية جميلة عن المحبة والتصوف، وهي "عزازيل"؟. وهل ثمّة من المستشرقين العنصريين الشوفينيين ممّن تجرّأ وكتب مثل هذه الجمل التي صاغها مؤلف "عزازيل" من قبيل هذه الجمل المقتطعة من المقال " ذلك البلد المسمى الجزائر ، وهل هناك حقاً حكومة وجماعات إسلامية بهذا البلد المسمى (الجزائر)؟ …. لقد نسينا ونسى الجزائريون أن مصر هي التي أنفقت من أموالها كي تجعلهم عرباً، وأغدق جمال عبد الناصر عليهم وأوفد لبلادهم المدرسين المصريين كي يضعوا على ألسنتهم اللفظ العربي الذي أنستهم إياه فرنسا (الحرة) فلا هم ظلوا من بعد ذلك عرباً ولا هم صاروا فرنسيين..(…) ولم يكن من الصائب أصلاً أن نلاعب المجرمين، فالمجرمون ليس لهم إلا العقاب.. عقاب اللاعب الذي فقأ عين الطبيب، وعقاب البدو الصحراويين الذين صارت لهم بلد، فظنوا أنفسهم مثل المصريين وتخيَّلوا أن كل البلدان مثل كل البلدان.. وعقاب حكومة ركيكة تدير أمور بلدها كما تدير الرقيعات. و لا بد لنا أن نعى جيداً، أن (الجزائر) لا يصح أصلاً أن تكون خصماً لمصر، ولا كفوا لها.. وأن نعى جيداً، أن قطع العلائق مع الجزائر لن يضير مصر لا على المدى القريب ولا البعيد، وقطع النظر عن وجود هذا الامتداد القاحل في قلوب أهلها، سوف يضيف لنا أمراً عزيزاً فقدناه.. أمراً اسمه الكرامة التي أُهدرت بغير سبب ولا غاية إلا هوى الحكام وأحلام السياسيين فى كل العصور.."
لم يكن مقال يوسف زيدان سوى مثال لظاهرة إعلامية وثقافية فاجأت الكثير من المتابعين للشأن الثقافي والإعلامي العربي، وتقديرنا أن التوقّف عندها، ودراستها بشكل علمي مسألة على غاية من الأهمّية، لتأمل الأسباب التي أنشأتها، وغذّتها، لتكون خلايا نائمة، يمكن إيقاظها في أي وقت لتهديد أمن ما نطمئن إليه من مسلّمات وبديهيات . ولا نظنّ أنّنا قادرون على إجراء حوار ديني أو فكري أو حضاري مع الغرب الأوروبي والأمريكي وغيره ( على كثرة ما ننظّم من مؤتمرات في ذلك) ما لم تتحرّر الشعوب ونخبها الثقافية من جراحها وتهويماتها وأحلامها الحضارية والسياسية المجهضة، ما لم تجر تحليلا يمكّنها من التعامل معها بشكل نقدي فعّال، يحصّنها من نزعات التطرّف والعنصرية والشوفينية التي نبحث عنها عند المستشرقين والمفكرين الغربيين والحال أنها نائمة داخلنا.
هل استطعنا أن نبني معرفتنا وعلاقاتنا الثقافية المشرقية/ المغربية على أسس علمية وعقلانية رصينة لنمر إلى نقد عدد من المستشرقين على ادعاءاتهم وأخطائهم ومغالطاتهم؟ وهل نحن مهيئون علميا وحضاريا لإقامة ما أطلق عليه الباحث المصري حسن حنفي بعلم "الاستغراب" والحال أنّنا ما نزال نعاني من مصادرات وأحكام قبلية بين المشارقة والمغاربة من قبيل أن المغاربة مشكوك في عروبتهم وإسلامهم، ومن نوع أن المغاربة أكثر عقلانية وانفتاحا على العلوم الإنسانية من المشارقة الغارقين في مناخ الفكر الوهابي السلفي، ومن نوع أن مصر هي أم الدّنيا وأنّه لا نجاح لنهضة عربية بدونها، ومن نوع أن هناك شعوبا عربية أكثر تحضّرا من شعوب أخرى، وغير ذلك من الكليشيهات التي نظنّ أنّنا تجاوزناها والحال أنّها ماتزال خلايا نائمة في اللاّوعي الجمعي العام.

ليست هناك تعليقات: