في أننا نساق بالطبيعة إلى الموت وبالعقل إلى الحياة


سمعت أبا سليمان يقول: نحن نساق بالطبيعة إلى الموت، ونساق بالعقل إلى الحياة، لأن الذي هو بالطبيعة قد أحاطت به الضرورة، والذي بالعقل قد أطاف به الاختيار، ولهذا الفرق الذي استبان وجب أن نستسلم لأحدهما ونتحرم للآخر، ولا يصح الاستسلام إلا بطيب النفس فيما لا حيلة في دفعه، ولا يتم التحرم إلا بإيثار الحد فيما لا ينال إلا به، والضروري لا يسعى له لأنه واصل، والاختياري لا يكسل عنه لأنه غير حاصل لديك، فانظر أين تدع توكلك فيما ليس إليك، ومن أين تطلب ثمرة اجتهادك فيما هو متعلق بك.
ثم قال: نحن نقضي ما علينا، ونجتهد في ما لدينا، ويجري الدهر بما شئنا أو أبينا.
ثم قال أيضاً في هذا الفصل على تقطع علائق الحديث ومحادثة بعض الحاضرين: الإنسان مسجون بالضرورة والاختيار، وعلى ذلك فمعاده إلى غايته التي هو متوجه إليها من جهة اختياره، ومتوجه به نحوها من جهة اضطراره. وهذه كالحيرة ولا سبيل إلى محيرها واستبانة كنهها بحق ما عرض، لأن الصورة عنونت الاختيار، والهيولى رسمت الاضطرار، والذي يكونه بهما يضرب على حديهما ووتيرتيهما، وإنما كان الاختيار منسوباً إلى الصورة بحق الشرف، وإنما كان الاضطرار منسوباً إلى الهيولى بحسب الخسة. والإنسان كالإناء لهما، وبالتباسه بهما والتباسهما به ما عرض هذا الصراخ والعويل، واحتيج فيه إلى القال والقيل، والله المستعان في كل ما عز وهان، فليكن هذا مقنعاً إن لم يكن شافياً، والسلام.
أبو حيّان التوحيديّ ( المقابسات، المقابسة الثامنة والخمسون )

الدين للّه والكرة للجميع


كان صمتٌ ثقيلٌ يرين على رؤوس الحشود المنتظرة حين شقّ الفضاء، فجأة، صوت المؤذّن يدعو إلى الصلاة. كان الصوت دافئا حنونا يرقّ ويغلظ، ثمّ يعلو ويهبط وهو يكرّر على الأسماع النداء القديم بالتكبير والشهادتيْن إلى الصلاة والفلاح. على أنّ الوقت لم يكن من مواقيت الصلاة ولا كان المائة ألف "مؤمن" في مقام أذن اللّه أن يُرْفع ويُذْكر فيه اسمه.
كان صوت المؤذّن يصدح على سبّورة "ستاد" القاهرة، وسط تكبيرات الجماهير التي احتشدت في الملعب وشغلت آلاف المقاعد. عقب الأذان، انبعث صوت ثان يطلب من الحشود الدعاء لـ"منتخب الساجدين": قولوا اللّهمّ انصرنا… اللّهمّ انصر مصر. قولوا يا ربّ..آمين." واهتزّت أركان "ستاد" القاهرة بالتكبير والدعاء لمصر بالنصر والتمكين. وردّدت الحناجر مدوّية: يا ربّ… يا ربّ… يا ربّ..
لم أكنْ أعلم أنّ اللّه سميع مجيب لدرجة أنّه قد ينصر، اعتباطا، فريقا "مسلما" (ولو كان مصر) على فريق الجزائر، وهو الآخر فريق يُفترض أنّه أسلم وحسُن إسلامه. ولا شكّ أنّ من استنبط هذه الفكرة الغريبة، ومرّر الأذان على سبّورة الملعب لغير صلاة كان واثقا من أنّ اللّه سيصرف عنايته إلى "الكنانة منتخب الساجدين" وسيجحدها عن "البرابرة أحفاد الكاهنة". ولعلّه لم يكن مشغولا، أصلا، بمعاناة الحكمة الإلهيّة، فلم يَدُرْ بخلده كيف للّه العادل المقتدر ربّ العالمين أن ينصر فئة من المسلمين على فئة أخرى من المسلمين بلا وجه حقّ.
كدت أصدّق أنّ دعاء الحشود دعاء مستجابٌ وأنّ "ادعوني أستجب لكم " جعلت من اللّه ظهيرا للمنتخب المصريّ الفائز في مباراة القاهرة حتّى انطوت الأيّام على موقعة "أمّ درمان" بانتصار المنتخب الجزائريّ.
ما الذي يحدث؟ هل تخلّى اللّه عن عباده الطائعين الساجدين؟
ثمّ، إنّ الحيرة تبدّدت، وأنا أتابع فرحة اللاعبين الجزائريّين ومرافقيهم في حجرات الملابس بملعب "أمّ درمان"، وهم يقطعون أناشيدهم وأهازيجهم (أشهرها أهزوجة مزجت الإنجليزية بالإيطاليّة والفرنسيّة في جملة واحدة:
ONE TWO THREE, VIVA l’ALGÉRIE )، ليكملوا مثلما بدؤوا، كما قال أحدهم.
" بديناها بالقرآن…ونكمّلوها بالقرآن !" وطفقت الجماعة في تلاوة الفاتحة تلاوة جماعيّة، ليندفع أحدهم، بعد الفراغ من التلاوة، داعيا بصوت حرص فيه على مراعاة قواعد الترتيل والتجويد:
"ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. اللّهمّ لك الحمد..آمين. اللّهمّ لك الحمد على نصرك. اللّهمّ قلتَ - وقولُك الحقّ – ادعوني أستجب لكم. اللّهمّ انصرنا ولا تنصرهم علينا.. اللّهمّ وردّنا إلى بلادنا غانمين.. اللّهمّ خذلت من ظلمنا.. اللهمّ إنّك خذلت الفراعنة..آمين.."
إذن، من الواضح، بحسب هذه الحذلقات الدينيّة المتهافتة، أنّ لكلّ ربَّه الذي ينصره ويحميه مادام اللّه الأحد قد تخلّى، في الخرطوم، عمّا أنعم به في القاهرة ووعد !
لم يكن مبدعو هذه الوضعيّات العجيبة بمنأى عن ماكينة إعلاميّة وشعبيّة لم توفّر بابا للشحن والتعبئة إلاّ طرقته، وكان الدين الباب العالي لهذه المهمّة.
"منتخب الساجدين" ! تسمية للمنتخب المصريّ المعروف تقليديّا بـ"منتخب الفراعنة" تداولتها وسائل الإعلام المختلفة. ولا يخفى أنّ هذه التسمية الجديدة تستبطن رفضا للتسمية القديمة القائمة على العمق الفرعونيّ باتّجاه تسمية دينيّة إسلاميّة. وتجسّدت التسمية في ما دأبت عليه بعض عناصر الفريق من الدعاء والتضرّع للّه والسجود الجماعيّ على أرضيّة الملاعب عقب تسجيل هدف الفوز. وافتنّت بعض الأقلام في التركيز على إمامة (أبو تريكة) للفريق في الملعب وعلى نشاطه الدعويّ خارجه.
لا أظنّ أنّ صنّاع هذا الخطاب، مثلا، قد تساءلوا كيف تكون مشاعر آلاف الجماهير المصريّة ذات الديانة المسيحيّة المتحمّسة لفريقها الوطنيّ وهي ترى لاعبيه المتجانسين دينيّا يسجدون في الملعب؟. ألن يشعروا أنّهم من "المغضوب عليهم" ماداموا مستثنين من فرحة الانتصار على تلك الصيغة بعينها؟
قبيل المباراة التاريخيّة في "ستاد" القاهرة بين مصر والجزائر، نشرت بعض الصحف نداء من الفريق إلى الجمهور المصريّ عنوانه "من منتخب الساجدين إلى الشعب المصري: قولوا آمين". ووجدتُ بعض الأقلام تصرّ على أنّ ما يميّز هذا المنتخب عن منتخبات مصر السابقة ليس الأداء والفنّيات فقط، ولكنّه الوازع الدينيّ بالأساس، حتّى وصل الأمر ببعض اللاّعبين أنْ تفاءل بالنصر على الجزائر لأنّ "منتخب الساجدين"هو، ببساطة، فريق أهل السنّة والجماعة !
ليس المنتخب المصريّ أو المنتخب الجزائريّ بدعا في هذا الاتّجاه، فقبل ثلاثة عقود كان بعض لاعبي المنتخب الإيرانيّ في مونديال الأرجنتين سنة 1978 وفي غمرة الغليان الشعبيّ ضد نظام الشاه يدخلون الملاعب رافعين المصاحف. ويذكر عشّاق الكرة أنّ المنتخب السعوديّ الذي وصل إلى المونديال هو من أدخل طقسا دينيّا جديدا لم يكن معهودا في الملاعب هو السجود شكرا للّه في حالة تسجيل الأهداف.
وصار من المألوف، اليوم، أن نرى بعض المنتخبات الوطنيّة تبدأ المباراة بالفاتحة والدعاء، وتختتم الأهداف بالسجود الجماعيّ على أرضيّة الملعب في مشهد غرائبيّ. وكان لا بدّ من فقه يجاري هذه النوازل، فوجدنا مَن يرفض السجود في الملاعب لأنّ من شروط السجود طهارة البدن والثوب وهو ما قد لا يتوفّر عند اللّاعبين في ذلك الوقت. ووجدنا رأيا ثانيا يجيز هذه الطقوس، ورأيا آخر دعا إلى السجود للّه في كلّ الأحوال سواء في الانتصار أو في الهزيمة. وإنْ سكت الفقيه عن حالة التعادل بين الفريقيْن، فمن المؤكّد أنّ الأمر سواءٌ لأنّ من حمد الله على قضاء تعافه الهمم، كالهزيمة، فلن يشقّ عليه إذا تعادلت الكفّتان أن يشكر منْ لا يُشكَر على مكروه سواه.
إنّ امتصاص اللّعبة الشعبيّة الأولى للمظاهر والرموز والسلوكات الدينيّة في تنام ملحوظ تشهد عليه ملاعب العالم التي صارت تشهد استعراضات دينيّة دعويّة إشهاريّة. غير أنّ هذه الاستعراضات، لدى بعض المنتخبات العربيّة، صارت هي الأكثر بروزا حتّى باتت من استتباعات ما يسمّونه " الصحوة " الدينيّة في أرض الإسلام.
والحقّ أنّ بعض منتخبات الدول "الإسلاميّة" لم تكن من أبدع هذه الرموز الدينيّة في ملاعب كرة القدم، لأنّ عددا كبيرا من اللاعبين من البلدان ذات الغالبية المسيحيّة كانوا يظهرون رموز التثليث قبل الدخول إلى أرضيّة الملعب. ولم تكن الحركة الجماعيّة التي قام بها المنتخب البرازيليّ عقب مباراته ضدّ المنتخب الأمريكيّ إلاّ مظهرا من مظاهر هذه " الصحوة " الدينيّة العالميّة، إذ ما أن أعلن الحكم نهاية المباراة، حتّى خلع اللاّعب الموهوب "كاكا" قميصه وفعل مثله سائر لاعبي البرازيل. وكانت المفاجأة أن قرأتْ آلاف الجماهير على القميص الداخلي: " أنتمي إلى يسوع I belong to Jésus". وهذا اللاّعب ذاته صار معروفا برفع يديْه إلى السماء شاكرا إثر كلّ تهديف. واتّضح، بعد ذلك، أنّ "كاكا" الساحر كاثوليكيّ متديّن بلْ ومموّل فاعل لأنشطة بعض الكنائس الإنجيليّة في البرازيل.
إنّ العلاقة بين الدين وكرة القدم علاقة معقّدة. فإذا كان الدين، لدى ماركس، أفيون الشعوب، فإنّ كرة القدم صارت، اليوم، ذلك الأفيون. وإذا كان القياس الأرسطيّ يسعفنا بهذه التسوية بين الكرة والدين، فكذلك تفعل الزاوية الأنثربولوجيّة والإيطيقيّة.
تقتضي وجاهة الحديث عن طقس من الطقوس استحضار أمور أساسيّة منها القطع مع الروتين اليوميّ، وتوفّر فضاء وزمان مخصوصيْن، ووجود سيناريو يتعاود، وتوزيع معيّن للحضور والأشياء والكلام والإشارات. عند التأمّل، نجد أنّ هذه الشروط تتوفّر في كرة القدم بامتياز. يوم المباراة هو يوم يختلف عن سائر الأيّام، له استعدادات خاصّة تبدأ، عند البعض، قبل وقت طويل. وتبدأ عند البعض الآخر يوم المقابلة أو قبل يوم. والملعب الذي يحتضن المباراة هو فضاء مقصور على هذا النوع من المباريات تشترك جماهير الكرة في معرفة حظّ من موقعه وتصميمه وأرضيّة ميدانه والمقاعد فيه، مثلما تشترك تلك الجماهير في معرفة تاريخ المباراة ( أيّام الآحاد في الغالب ) وتوقيتها (بعد الظهر أو في المساء في العادة). وعندما تشدّ الجماهير "رحالها" إلى الملعب، فهي تعلم بوجود سيناريو يتعاود كلّ يوم مقابلة. بالنسبة إلى الجمهور، يبدأ السيناريو من الاصطفاف أمام شبّاك التذاكر وأبواب الدخول، ثمّ اختيار مقعد مناسب لرؤية واضحة، كلّ بحسب تذكرته: المنصّة الشرفيّة، المدارج المغطّاة، المدارج العارية، المدارج خلف المرمى. بالنسبة إلى شخصيّات الميدان، يعرف كلّ مكانه، لاعبو التشكيلة بحسب خطّط الانتشار ولاعبو الاحتياط، المدرّب والحكم ومساعداه. يوم المباراة، يشارك الحضور في تحية الفريقيْن وفي تحيّة العلميْن عند المقابلات الدوليّة، ثمّ تعلن صفارة الحكم انطلاق اللّعب. ولا يشكّ من حضر أنّ هناك راحة بين الشوطيْن، وأنّهم سيستمعون، شاؤوا أم أبوا، إلى أهازيج المشجّعين حتّى صفّارة الختام. هذا وغيره ما يجعل من كرة القدم طقسًا من طقوس حياتنا المعاصرة.
إنّ الجماهير التي تؤمن بالدين هي نفسها الحشود التي تدين بالكرة. يتجاور الملعب والمسجد والكنيسة والمعبد. ومثلما يأخذ الدين بالألباب تأخذ الكرة بالألباب. ويصير كلّ شيء فدى لمعبودة الجماهير: الكرة. ففي ظلّ الفراغ الوجوديّ الذي تحياه الكثرة من الجماهير، فإنّها تهرع إلى خلق أساطيرها وعقائدها ورموزها ونماذجها الخاصّة ليحصل ما يمكن تسميته بالوباء العاطفيّ. هذا "الوباء" يظهر، كأجلى ما يكون، في بروز روحيّة فدائيّة لدى الجمهور: افتداء الفريق أو النجم المحبوب بالنفس والنفيس.
على أنّ كرة القدم هي دين بلا آلهة. وإنّما أبطالها بشر موهوبون قادرون على استبدال المرجعيات المفارقة للدّين بما يتيحونه للجمهور، في الجانبيْن اللّعبيّ والمشهديّ، من الذهول والمتعة والأريحيّة والحذر والجمال.
هذا الواقع البشريّ للكرة، من الزاوية الإيطيقيّة الصرف، تهدّده قوانين السوق والتسليع والمال، وتهدّده، أيضا، هجمة الدين الكاسحة. هجمة يحصل معها قلب البشريّ إلى دينيّ والعكس صحيح. وبهذا القلب، تصير الكرة مقدّسا ومطلقا.
إنّ إغراق الكرة بالرموز الدينيّة وجرّها إلى فضاء المقدّس والمطلق، وتحويل فضاء اللعب والحرّية إلى فضاء تعبّد وخضوع، لا يقودان إلاّ إلى شيطنة اللّعبة من حيث أُرِيدَ لها القداسة، وسلبها، بذلك، واقعها الخصوصيّ الحرّ القائم على المشاركة والمنافسة والمفاوضة وعلى عفويّة الحركة وجماليّة المشهد واللّعب.
من المؤسف أنّ هذا الجري المحموم خلف جلد منفوخ يبتعد يوما بعد يوم عمّا أُريد له من تعارف وإشباع للغرائز الانتصاريّة في حيّز مقنّن محدود واقتصاد في نوازع الإقصاء والكره والعنف التي كانت في ساحات الحرب. لقد صارت الخسارة في الملعب، تحت وطأة قانون الربح في السوق، أمرا لا يحتمل. وصارت الرموز الدينيّة المتزايدة يوما بعد يوم وقودا لحروب دينيّة جديدة انتقلت من سوح القتال إلى سوح اللّعب.
ورغم أن قوانين الفيفا تحظر أيّ إعلانات سياسيّة أو دينيّة أو عنصريّة في هيئة اللّاعب وفي زيّه وفي سلوكه على الملعب إلاّ أنّ هذه الحظر لم يصمد أمام غزو الشعارات الدينيّة والسياسيّة بشتّى عناوينها. يحظر قانون الفيفا، صراحة، كلّ مظاهر الإشهار على ميدان اللّعب وعلى لوازمه داخل المستطيل. ولكنّ هذه المادّة القانونيّة المرنة تترك المجال واسعا لخروق ضمنيّة، إذ الفصل بين الميدان وخارج الميدان فصل وهميّ، فقمصان اللاعبين الداخليّة وإشاراتهم وطقوسهم التعبّديّة صارت تعضد ما يعجّ به محيط الميدان ومدارجه وسبّورته اللاّمعة من بلاغات إشهاريّة من كلّ لون.
كانت شهادةٌ معبّرة عن لاعبي كرة القدم منسوبةٌ إلى بلاز باسكال Blaise Pascal( 1623 – 1662 ) تقول: يا لهؤلاء الرجال. هاهم – وقد فقدوا الفردوس – يَجْرُون خلف جلد مدوّر !
وإذا سلّمنا جدلا بوجاهة شهادة هذا الفيلسوف والرياضيّ، يمكن أن نسأل: هل إنّ تكثيف الرموز الدينيّة في ملاعبنا، اليوم، هو بمثابة إفاقة متأخّرة لاسترداد هذا الفردوس المفقود؟